نص السؤال

الزعم أن الله لم يكرم آدم - عليه السلام - ولم يأمر الملائكة بالسجود له

المصدر: شبهات المشككين في الإسلام

الجواب التفصيلي

الزعم أن الله لم يكرم آدم - عليه السلام - ولم يأمر الملائكة بالسجود له (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغالطين أن الله - عز وجل - لم يأمر ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام، ولم يرد تكريمه ولا تشريفه، بل إن الملائكة هي التي أرادت أن تشرفه بسجودها له دون أمر من الله، فحال بينهم وبين ذلك أن الله - عز وجل - جعل آدم عليه السلام ينام؛ فلم يتمكنوا من السجود له، ذاهبين من وراء ذلك إلى تجريد نبي الله آدم - عليه السلام - مما شرفه الله به من سجود الملائكة له.

وجها إبطال الشبهة:

1) الملائكة لا تفعل شيئا دون أمر من الله عز وجل، وسجودهم لآدم - عليه السلام - أمر إلهي، وهو سجود تكريم، لا سجود عبادة.

2) القرآن الكريم لم يذكر - وهو الحق المبين - أن آدم - عليه السلام - كان نائما، وماذا يجدي نومه من عدمه في شأن إثبات السجود ونفيه؟! وما تذكره التوراة من ذلك؛ لتحليل الخطيئة، وارتكاب المعاصي لا دليل عليه.

التفصيل:

 أولا. الملائكة لا تفعل شيئا دون أمر من الله سبحانه وتعالى، وسجودهم لآدم أمر إلهي، فضلا عن كونه سجود تكريم لا سجود عبادة:

ما كان للملائكة أن تفعل شيئا لم تؤمر به، فهم مجبولون [1] على الطاعة، مفطورون عليها، لكن أمرهم الله بالسجود تتمة لصور التكريم التي خص الله بها آدم، وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وتعظيم، كما أننا يجب أن نعلم أن الحديث عن آدم والملائكة لا يخضع لاجتهاد عقلي ولا لعلم تجريبي ولا لاستقراء تاريخي، ولا طريق لمعرفته إلا النقل الصحيح من رسول موحى إليه، ولا يتحقق ذلك إلا فيما جاءنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن الكريم، المقطوع بثبوته عن رسول الله، والمنقول إلينا بالتواتر القطعي الثبوت.

 والقرآن الكريم صريح في أن الله - عز وجل - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأن الملائكة استجابوا لأمر الله فسجدوا،

قال سبحانه وتعالى:

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)

(البقرة:34)

 وسجود الملائكة لآدم هو عين طاعة الله وعبادته، فقد سجدوا؛ لأن الله أمرهم بالسجود، فأطاعوا أمر الله، وهذا يتفق مع طاعة الملائكة المطلقة لأمر ربهم؛ لأنهم

(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)

(النحل:50)

وليس للملائكة هوى واجتهاد من قبل أنفسهم، فهذا يتناقض مع طبيعة جبلتهم وعبوديتهم لخالقهم، فهم ينتظرون أمر الله، فحق فيهم

قول الله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)

(التحريم:6)

فما كان للملائكة أن تفعل ما لم تؤمر به، وما سجدت الملائكة إلا استجابة لأمره عز وجل، وهذه كرامة أخرى من كرامات الله لآدم عليه السلام،

وهو - سبحانه وتعالى - القائل:

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)

(البقرة:34)

والسجود في اللغة: التذلل والخضوع، ويطلق أيضا على الانحناء من أجل التحية والتكريم كما في قوله تعالى في حكايتة عن إخوة يوسف عليه السلام:

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا)

(يوسف: 100)

ويطلق السجود في الشرع على وضع الجبهة واليدين، والركبتين، والقدمين على الأرض، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.

وسجود الملائكة لآدم - عليه السلام - ليس من باب السجود لغير الله، ولا عبادة آدم من دون الله، إنه سجود لله في الحقيقة؛ لأن الله هو الذي أمرهم أن يسجدوا لآدم، أي هو الذي كلفهم بذلك، ولو كان عبادة لغيره لما أمرهم به سبحانه وتعالى؛ لأن الله لا يأذن لأي مخلوق أن يعبد غيره، وعندما سجد الملائكة لآدم كانوا عابدين لله[2].

ولكي نفهم معنى العبادة نقول: "إن العبادة هي طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، فما قال الله لنا: افعلوا، فإننا نفعل، وما قال: لا تفعلوا، فإننا لا نفعل؛ لأن العبادة هي طاعة الخلق لخالقهم في أوامره ونواهيه؛ ولذلك عندما نذهب إلى الحج، فإننا نقبل الحجر الأسود في الكعبة، ونرجم الحجر الذي يمثل إبليس في منى، نقبل حجرا، ونرجم حجرا، هذا هو معنى عبادة الله واتباع منهجه، كما أمرنا نفعل، لا شيء مقدس عندنا إلا أمر الله ومنهجه؛ فالملائكة لم يسجدوا لآدم، ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم، وفرق كبير بين السجود لشيء، وبين السجود لأمر الله"[3].

بيد أننا نوضح الأمر لمن التبس عليه قائلين: إن سجود الملائكة لآدم كان أمرا إلهيا وفي هذا إظهار لعلو شأنه عليه السلام، كما أن فيه تكريما لهذا النوع البشري حيث أسجد الملائكة لأبيهم آدم عليه السلام، وقد خص الله آدم بأربع مزايا، هي آية الفضل وعنوان الشرف الرفيع وهي: خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وعلمه أسماء كل الأشياء[4].

والسجود الذي فعلته الملائكة هو الانحناء على هيئة مخصوصة حسب طبيعة خلقتهم، وقد أمروا به تعظيما له وتحية، وفي تعظيمه تشريف لذريته - أيضا - وفيه تنبيه لأولى الألباب على وجوب شكرهم لله على هذه المنة[5].

ويدل هذا على أن السجود كان أمرا إلهيا، ولم تفعله الملائكة من تلقاء ذاتها أو على هواها.

ثانيا. لم يذكر القرآن الكريم - وهو الحق المبين - أن آدم عليه السلام كان نائما، ثم ماذا يجدي نومه من عدمه؟!

هذا، وقد أغفلت التوراة أمورا حدثت بالفعل، منها: توبة آدم واستغفاره لتحليل الخطيئة، وارتكاب المعاصي. فأيهما نصدق: القرآن الكريم أم الترهات التوراتية؟!

فمن أخبرهم أن آدم - عليه السلام - حينما أراد الملائكة أن يسجدوا له كان نائما؟ وأي فائدة في نومه أو عدم نومه؟ أكان يمنعهم نومه من أن يسجدوا له؟! ثم إنه لا عبرة بما جاء في التوراة أو غيرها من الكتب السابقة إذا خالف القرآن الكريم، أو لم يذكر فيه، فليست هذه الكتب هي التي أنزلها الله تعالى على رسله الأكرمين ولكنها أوهام سطرتها أيدي البشر، وهذا بشهادة أهل هذه الكتب، واقرأ إن شئت نقد اسبينوزا للكتاب المقدس.

وكيف نؤمن بكتب لعبت بها الأيدي تبديلا وتحريفا فهؤلاء لم يسلم من عبثهم وافتراءاتهم[6] أي من أنبياء الله تعالى؛ فهذا آدم - عليه السلام - قد ذكر العهد القديم أنه بسبب مخالفته أمر ربه له بالامتناع عن الأكل من الشجرة لعنت الأرض "ملعونة الأرض بسببك". (التكوين 3: 17)، فكيف يلعن الله الأرض بسبب مخالفة آدم وهي لم تقع منه وهو في الأرض، وإنما وهو في الجنة، وما ذنب الأرض في أن تصيبها لعنة بسبب معصية وقعت في غير عالمها؟!

لقد كان نزول آدم إلى الأرض وخروجه من الجنة جزاء معصيته، بقدر كوني سابق، فإنه - عز وجل - ما خلق آدم ليسكن الجنة، بل خلقه ليعمر [7] الأرض هو وذريته؛

قال سبحانه وتعالى:

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)

(البقرة: 30)

والجزاء إنما يستحقه من تقع منه المعصية دون غيره من البشر,

(ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير)

(فاطر:18)

ثم إذا كانت اللعنة قد أصابت الأرض بسبب مخالفة آدم، ألا تستحق أن ترفع عنها اللعنة من أجل طاعات البشر، ممن عاشوا فيها من الأنبياء والصديقين والصالحين، والعلماء العاملين، وكل من أطاع الله فوقها؟!

وكيف تلعن الأرض بسبب معصية آدم وقد اختاره الله وذريته لسكناها وعمارتها دون الملائكة، وهم يسبحون بحمده ويقدسونه عز وجل؟!

والتوراة التي بأيديهم لم تذكر شيئا عن توبة آدم عليه السلام، واستغفاره ربه من مخالفته ومغفرة الله له، في حين أن ذلك موضح في القرآن الكريم وهو ما تقبله العقول السليمة إذ كيف تقع المخالفة من نبي ولا يندم عليها ولا يتوب منها؟!

ثم إنه في إغفال التوراة توبة آدم تشجيع لذريته من بعده على التمادي في عصيانهم، وعدم الرجوع بالتوبة إلى ربهم، وهل بهذا تصلح الحياة؟ كلا[9]!

نخلص مما سبق إلى أن التوراة أغفلت ما يفيد ذكره وذكرت ما لا يفيد، وهذا يدلنا على أنها من صنع البشر، فلا ينبغي أن نصدق كل ما جاء بها خاصة إذا خالف القرآن الكريم؛ لأن القرآن هو الحق من الله المصدق لما سبقه من كتب قبل تحريفها وتبديلها من قبل البشر.

الخلاصة:

 ما كان للملائكة أن تفعل شيئا لم تؤمر به، فهم مجبولون على الطاعة:

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)

(التحريم:6)

ولكن أمرهم الله بالسجود تتويجا لصور التكريم التي خص الله بها آدم - عليه السلام - فقد جعله خليفته في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له إجلالا وتعظيما لشأنه، ولنسله من بعده، كما علمه الأسماء كلها. والحديث عن آدم، والملائكة لا يخضع لاجتهاد عقلي، ولا استقراء تاريخي، بل السبيل إلى معرفته هو النقل الصحيح من رسول موحى إليه.

 لم يذكر القرآن الكريم - وهو الحق المبين - أن آدم كان نائما، ثم ماذا يجدي نومه من عدمه؟! هذا وقد أغفلت التوراة أمورا حدثت بالفعل منها: توبة آدم واستغفاره لتحليل الخطيئة وارتكاب المعاصي من قبل نسله، كما ذكرت خطأ أن الله لعن الأرض بمخالفة آدم، وهذا ظلم ومحال على الله تعالى الظلم؛ لقوله

في الحديث القدسي:

«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما»

فأيهما نصدق؛ القرآن الكريم المصون عن التحريف أم الترهات التوراتية المحرفة؟! والتي أقر بتحريفها أهلها ودارسوها من أمثال اسبينوزا وغيره.

المراجع

  1. (*) موجز دائرة المعارف الإسلامية، فريق بحث من المستشرقين، ترجمة نخبة من الأساتذة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة، 1418هـ/ 1998م.
  2. [1]. المجبول: المطبوع. 
  3.  القرآن ونقض مطاعن الرهبان، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، ط1، 2007م، ص308.
  4. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1999م، ج1، ص254. 
  5.  النبوة والأنبياء، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، مكة، 1290هـ، ص119. 
  6.  قصص القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م. 
  7. الافتراء: الكذب والاختلاف. 
  8.  يعمر: يعيش فيها ويسكنها. 
  9.  ولا تزر وازرة وزر أخرى: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. المثقلة: النفس التي أثقلتها الآثام.
  10.  عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص197: 199.

الجواب التفصيلي

الزعم أن الله لم يكرم آدم - عليه السلام - ولم يأمر الملائكة بالسجود له (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغالطين أن الله - عز وجل - لم يأمر ملائكته بالسجود لآدم عليه السلام، ولم يرد تكريمه ولا تشريفه، بل إن الملائكة هي التي أرادت أن تشرفه بسجودها له دون أمر من الله، فحال بينهم وبين ذلك أن الله - عز وجل - جعل آدم عليه السلام ينام؛ فلم يتمكنوا من السجود له، ذاهبين من وراء ذلك إلى تجريد نبي الله آدم - عليه السلام - مما شرفه الله به من سجود الملائكة له.

وجها إبطال الشبهة:

1) الملائكة لا تفعل شيئا دون أمر من الله عز وجل، وسجودهم لآدم - عليه السلام - أمر إلهي، وهو سجود تكريم، لا سجود عبادة.

2) القرآن الكريم لم يذكر - وهو الحق المبين - أن آدم - عليه السلام - كان نائما، وماذا يجدي نومه من عدمه في شأن إثبات السجود ونفيه؟! وما تذكره التوراة من ذلك؛ لتحليل الخطيئة، وارتكاب المعاصي لا دليل عليه.

التفصيل:

 أولا. الملائكة لا تفعل شيئا دون أمر من الله سبحانه وتعالى، وسجودهم لآدم أمر إلهي، فضلا عن كونه سجود تكريم لا سجود عبادة:

ما كان للملائكة أن تفعل شيئا لم تؤمر به، فهم مجبولون [1] على الطاعة، مفطورون عليها، لكن أمرهم الله بالسجود تتمة لصور التكريم التي خص الله بها آدم، وهو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة وتعظيم، كما أننا يجب أن نعلم أن الحديث عن آدم والملائكة لا يخضع لاجتهاد عقلي ولا لعلم تجريبي ولا لاستقراء تاريخي، ولا طريق لمعرفته إلا النقل الصحيح من رسول موحى إليه، ولا يتحقق ذلك إلا فيما جاءنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من القرآن الكريم، المقطوع بثبوته عن رسول الله، والمنقول إلينا بالتواتر القطعي الثبوت.

 والقرآن الكريم صريح في أن الله - عز وجل - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وأن الملائكة استجابوا لأمر الله فسجدوا،

قال سبحانه وتعالى:

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)

(البقرة:34)

 وسجود الملائكة لآدم هو عين طاعة الله وعبادته، فقد سجدوا؛ لأن الله أمرهم بالسجود، فأطاعوا أمر الله، وهذا يتفق مع طاعة الملائكة المطلقة لأمر ربهم؛ لأنهم

(يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)

(النحل:50)

وليس للملائكة هوى واجتهاد من قبل أنفسهم، فهذا يتناقض مع طبيعة جبلتهم وعبوديتهم لخالقهم، فهم ينتظرون أمر الله، فحق فيهم

قول الله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)

(التحريم:6)

فما كان للملائكة أن تفعل ما لم تؤمر به، وما سجدت الملائكة إلا استجابة لأمره عز وجل، وهذه كرامة أخرى من كرامات الله لآدم عليه السلام،

وهو - سبحانه وتعالى - القائل:

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)

(البقرة:34)

والسجود في اللغة: التذلل والخضوع، ويطلق أيضا على الانحناء من أجل التحية والتكريم كما في قوله تعالى في حكايتة عن إخوة يوسف عليه السلام:

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا)

(يوسف: 100)

ويطلق السجود في الشرع على وضع الجبهة واليدين، والركبتين، والقدمين على الأرض، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.

وسجود الملائكة لآدم - عليه السلام - ليس من باب السجود لغير الله، ولا عبادة آدم من دون الله، إنه سجود لله في الحقيقة؛ لأن الله هو الذي أمرهم أن يسجدوا لآدم، أي هو الذي كلفهم بذلك، ولو كان عبادة لغيره لما أمرهم به سبحانه وتعالى؛ لأن الله لا يأذن لأي مخلوق أن يعبد غيره، وعندما سجد الملائكة لآدم كانوا عابدين لله[2].

ولكي نفهم معنى العبادة نقول: "إن العبادة هي طاعة أوامر الله واجتناب نواهيه، فما قال الله لنا: افعلوا، فإننا نفعل، وما قال: لا تفعلوا، فإننا لا نفعل؛ لأن العبادة هي طاعة الخلق لخالقهم في أوامره ونواهيه؛ ولذلك عندما نذهب إلى الحج، فإننا نقبل الحجر الأسود في الكعبة، ونرجم الحجر الذي يمثل إبليس في منى، نقبل حجرا، ونرجم حجرا، هذا هو معنى عبادة الله واتباع منهجه، كما أمرنا نفعل، لا شيء مقدس عندنا إلا أمر الله ومنهجه؛ فالملائكة لم يسجدوا لآدم، ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم، وفرق كبير بين السجود لشيء، وبين السجود لأمر الله"[3].

بيد أننا نوضح الأمر لمن التبس عليه قائلين: إن سجود الملائكة لآدم كان أمرا إلهيا وفي هذا إظهار لعلو شأنه عليه السلام، كما أن فيه تكريما لهذا النوع البشري حيث أسجد الملائكة لأبيهم آدم عليه السلام، وقد خص الله آدم بأربع مزايا، هي آية الفضل وعنوان الشرف الرفيع وهي: خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وعلمه أسماء كل الأشياء[4].

والسجود الذي فعلته الملائكة هو الانحناء على هيئة مخصوصة حسب طبيعة خلقتهم، وقد أمروا به تعظيما له وتحية، وفي تعظيمه تشريف لذريته - أيضا - وفيه تنبيه لأولى الألباب على وجوب شكرهم لله على هذه المنة[5].

ويدل هذا على أن السجود كان أمرا إلهيا، ولم تفعله الملائكة من تلقاء ذاتها أو على هواها.

ثانيا. لم يذكر القرآن الكريم - وهو الحق المبين - أن آدم عليه السلام كان نائما، ثم ماذا يجدي نومه من عدمه؟!

هذا، وقد أغفلت التوراة أمورا حدثت بالفعل، منها: توبة آدم واستغفاره لتحليل الخطيئة، وارتكاب المعاصي. فأيهما نصدق: القرآن الكريم أم الترهات التوراتية؟!

فمن أخبرهم أن آدم - عليه السلام - حينما أراد الملائكة أن يسجدوا له كان نائما؟ وأي فائدة في نومه أو عدم نومه؟ أكان يمنعهم نومه من أن يسجدوا له؟! ثم إنه لا عبرة بما جاء في التوراة أو غيرها من الكتب السابقة إذا خالف القرآن الكريم، أو لم يذكر فيه، فليست هذه الكتب هي التي أنزلها الله تعالى على رسله الأكرمين ولكنها أوهام سطرتها أيدي البشر، وهذا بشهادة أهل هذه الكتب، واقرأ إن شئت نقد اسبينوزا للكتاب المقدس.

وكيف نؤمن بكتب لعبت بها الأيدي تبديلا وتحريفا فهؤلاء لم يسلم من عبثهم وافتراءاتهم[6] أي من أنبياء الله تعالى؛ فهذا آدم - عليه السلام - قد ذكر العهد القديم أنه بسبب مخالفته أمر ربه له بالامتناع عن الأكل من الشجرة لعنت الأرض "ملعونة الأرض بسببك". (التكوين 3: 17)، فكيف يلعن الله الأرض بسبب مخالفة آدم وهي لم تقع منه وهو في الأرض، وإنما وهو في الجنة، وما ذنب الأرض في أن تصيبها لعنة بسبب معصية وقعت في غير عالمها؟!

لقد كان نزول آدم إلى الأرض وخروجه من الجنة جزاء معصيته، بقدر كوني سابق، فإنه - عز وجل - ما خلق آدم ليسكن الجنة، بل خلقه ليعمر [7] الأرض هو وذريته؛

قال سبحانه وتعالى:

(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة)

(البقرة: 30)

والجزاء إنما يستحقه من تقع منه المعصية دون غيره من البشر,

(ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير)

(فاطر:18)

ثم إذا كانت اللعنة قد أصابت الأرض بسبب مخالفة آدم، ألا تستحق أن ترفع عنها اللعنة من أجل طاعات البشر، ممن عاشوا فيها من الأنبياء والصديقين والصالحين، والعلماء العاملين، وكل من أطاع الله فوقها؟!

وكيف تلعن الأرض بسبب معصية آدم وقد اختاره الله وذريته لسكناها وعمارتها دون الملائكة، وهم يسبحون بحمده ويقدسونه عز وجل؟!

والتوراة التي بأيديهم لم تذكر شيئا عن توبة آدم عليه السلام، واستغفاره ربه من مخالفته ومغفرة الله له، في حين أن ذلك موضح في القرآن الكريم وهو ما تقبله العقول السليمة إذ كيف تقع المخالفة من نبي ولا يندم عليها ولا يتوب منها؟!

ثم إنه في إغفال التوراة توبة آدم تشجيع لذريته من بعده على التمادي في عصيانهم، وعدم الرجوع بالتوبة إلى ربهم، وهل بهذا تصلح الحياة؟ كلا[9]!

نخلص مما سبق إلى أن التوراة أغفلت ما يفيد ذكره وذكرت ما لا يفيد، وهذا يدلنا على أنها من صنع البشر، فلا ينبغي أن نصدق كل ما جاء بها خاصة إذا خالف القرآن الكريم؛ لأن القرآن هو الحق من الله المصدق لما سبقه من كتب قبل تحريفها وتبديلها من قبل البشر.

الخلاصة:

 ما كان للملائكة أن تفعل شيئا لم تؤمر به، فهم مجبولون على الطاعة:

(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)

(التحريم:6)

ولكن أمرهم الله بالسجود تتويجا لصور التكريم التي خص الله بها آدم - عليه السلام - فقد جعله خليفته في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له إجلالا وتعظيما لشأنه، ولنسله من بعده، كما علمه الأسماء كلها. والحديث عن آدم، والملائكة لا يخضع لاجتهاد عقلي، ولا استقراء تاريخي، بل السبيل إلى معرفته هو النقل الصحيح من رسول موحى إليه.

 لم يذكر القرآن الكريم - وهو الحق المبين - أن آدم كان نائما، ثم ماذا يجدي نومه من عدمه؟! هذا وقد أغفلت التوراة أمورا حدثت بالفعل منها: توبة آدم واستغفاره لتحليل الخطيئة وارتكاب المعاصي من قبل نسله، كما ذكرت خطأ أن الله لعن الأرض بمخالفة آدم، وهذا ظلم ومحال على الله تعالى الظلم؛ لقوله

في الحديث القدسي:

«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما»

فأيهما نصدق؛ القرآن الكريم المصون عن التحريف أم الترهات التوراتية المحرفة؟! والتي أقر بتحريفها أهلها ودارسوها من أمثال اسبينوزا وغيره.

المراجع

  1. (*) موجز دائرة المعارف الإسلامية، فريق بحث من المستشرقين، ترجمة نخبة من الأساتذة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الشارقة، 1418هـ/ 1998م.
  2. [1]. المجبول: المطبوع. 
  3.  القرآن ونقض مطاعن الرهبان، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، دار القلم، دمشق، ط1، 2007م، ص308.
  4. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، القاهرة، ط1، 1999م، ج1، ص254. 
  5.  النبوة والأنبياء، محمد علي الصابوني، دار الصابوني، مكة، 1290هـ، ص119. 
  6.  قصص القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1424هـ/ 2003م. 
  7. الافتراء: الكذب والاختلاف. 
  8.  يعمر: يعيش فيها ويسكنها. 
  9.  ولا تزر وازرة وزر أخرى: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره. المثقلة: النفس التي أثقلتها الآثام.
  10.  عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص197: 199.