ادعاء أن الشافعي كان شيعيا منجما يضع الأحاديث

محتوى المقال

ادعاء أن الشافعي كان شيعيا منجما يضع الأحاديث (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن الإمام الشافعي - رحمه الله - كان شيعيا رافضيا، ويستدلون على تشيعه وانتمائه للرافضة[1] بأنه قال أشعارا كثيرة تشعر برغبته في هذا المذهب وحبه له، وأن يحيى بن معين رماه بالرفض.

كما يزعمون أنه كان منجما بارعا، مستدلين على ذلك بما أورده الرازي في كتابه "مناقب الشافعي"، حيث ذكر فصلا تحت عنوان "في معرفة الشافعي بالنجوم"، وأورد فيه كثيرا من الحكايات التي توهم بذلك، كما يزعمون أنه كان واحدا ممن زوروا الأحاديث، وكان ممن يجتهدون وينسبون اجتهاداتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

متسائلين: كيف تقبل رواية من كان شيعيا منجما واضعا للحديث على النبي صلى الله عليه وسلم؟!

رامين من وراء ذلك إلى الطعن في عدالة الإمام الشافعي رحمه الله، والتشكيك في مذهبه الفقهي وما رواه من أحاديث.

وجوه إبطال الشبهة:

1) لقد اشتهر عن الشافعي أنه كان يقول بأفضلية الخلفاء كترتيبهم في الخلافة، وأنه كان كثير الطعن في الروافض، كما أن حبه لآل البيت لا يدل على التشيع، فحبهم واجب على المسلمين أجمعين، وأما عن رأي يحيى بن معين فقد رجع عنه عندما حاجه الإمام أحمد بن حنبل فأقنعه بسنية الشافعي وعدم تشيعه، ودفاع الشافعي عن نفسه يثبت ذلك.

2) إن اتهام الشافعي بالتنجيم اتهام باطل؛ إذ إن أدلة المشتبهين كلها ضعيفة لا تصح سندا ولا متنا، وهذا ما أثبته ابن القيم، والصحيح أن الشافعي كان من أفرس الناس، عالما بما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطرقات وغير ذلك.

3) إن القول بأن الشافعي كان يجتهد وينسب اجتهاداته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قول لا دليل عليه، ولو صح ذلك ما سكت تلامذته عليه، فقد كانوا يراجعونه كثيرا في آرائه، فكيف يسكتون على وضعه الأحاديث؟! وقد شهد نقاد الحديث كلهم له بالصدق والورع حتى لقب بناصر الحديث النبوي.

أولا. الإمام الشافعي ليس شيعيا ولكنه من أئمة أهل السنة الذين يحبون آل البيت:

لم يكن الشافعي شيعيا رافضيا وإنما كان إماما من أئمة أهل السنة والجماعة، يعمل بالسنة الصحيحة، ويترك ما لم يصح منها، "قال علي بن أحمد الدخمسيني: سمعت علي بن أحمد بن النضر الأزدي، سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عن الشافعي، فقال: لقد من الله علينا به، لقد كنا تعلمنا كلام القوم، وكتبنا كتبهم، حتى قدم علينا، فلما سمعنا كلامه، علمنا أنه أعلم من غيره، وقد جالسناه الأيام والليالي، فما رأينا منه إلا كل خير، فقيل له: يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه - يشير إلى التشيع وأنهما نسباه إلى ذلك - فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيرا...، ثم قال أحمد لمن حوله: اعلموا رحمكم الله تعالى أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئا من العلم، وحرمه قرناؤه وأشكاله، حسدوه فرموه بما ليس فيه، وبئست الخصلة من أهل العلم"[2].

لذا قال الذهبي: "من زعم أن الشافعي يتشيع فهو مفتر، لا يدري ما يقول"[3]. فإن كان يحب آل البيت ويمدحهم بشعره، فهذا لا يوجب القدح فيه بل يوجب أعظم أنواع المدح؛ لأن حب آل البيت واجب على كل مسلم، وهذه وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسلمين أجمعين، وهذا بعض ما نظمه الشافعي في مدح آل البيت - رضي الله عنهم - إذ يقول:

يا راكبا قف بالمحصب من منى

واهتف بقاعد خيفنا والناهض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضا، كملتطم الفرات الفائض

إن كان رفضا حب آل محمد

فليشهد الثقلان أني رافضي

وقد عقب الذهبي على هذه الأبيات بقوله: "لو كان شيعيا - وحاشاه من ذلك - لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة، بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبد العزيز"[4].

وقال أيضا:

آل بيت النبي ذريعتي

وهم إليك وسيلتي

أرجو بأن أعطى غدا

بيد اليمين: صحيفتي

فهذه هي الأبيات التي استدلوا بها على تشيعه ورفضه إمامة أبي بكر وعمرـ رضي الله عنهما - ليس فيها شيء من ذلك، وإنما هي تعبير عن حبه الصادق لآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - كحب غيره من المسلمين لهم.

وأما قولهم: إن يحيى بن معين رماه بالرفض واتهمه بالتشيع، فالجواب عنه: ما روى البيهقي عن أبي داود السجستاني أنه قيل لأحمد بن حنبل: إن يحيى بن معين ينسب الشافعي ابن إدريس إلى التشيع.

فقال أحمد ليحيى بن معين: كيف عرفت ذلك؟

فقال يحيى: إني نظرت في تصنيفه في قتال أهل البغي، فرأيته قد احتج من أوله إلي آخره بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

فقال أحمد: يا عجبا لك، فبمن كان يحتج الشافعي في قتال أهل البغي؟ فإن أول من ابتلى من هذه الأمة بقتال أهل البغي هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: فخلى يحيى من كلامه[5].

 والذي أدى بيحيى بن معين إلى هذا القول أنه كان متشددا جدا في قبول الرجال وتعديلهم، فلا يعدل الرجل إذا وجد فيه أي مظنة للطعن فيه، فلما رأى الشافعي يكثر من ذكر أقوال علي في باب قتال البغاة بالإضافة إلي أنه من آل البيت الذين أطراهم بشعره كثيرا - ظن أنه شيعي، لكنه رجع عن رأيه بعد أن حاجه الإمام أحمد بن حنبل.

ومما يؤيد ثقة ابن معين في الشافعي وأخذه بأقواله ما نقله أبو نعيم في "الحلية" عن هاشم بن مرثد قال: سمعت يحيى بن معين يقول: الشافعي صدوق ليس به بأس...، وقال الزعفراني: كنت مع يحيى بن معين في جنازة فقال له رجل: يا أبا زكريا، ما تقول في الشافعي، قال: دع هذا عنك، لو كان الكذب له مطلقا لكانت مروءته تمنعه أن يكذب[6].

فهل يعقل أن يكون الشافعي عند يحيى بن معين شيعيا ثم يرى أنه ثقة صدوق مع ما عرف عن يحيى بن معين من تشدد في نقد الرجال؟!

"ومما يشهد ببطلان هذا الاتهام، أنه قد تكاثرت أقوال الشافعي - رحمه الله - التي تشهد بأنه كان إماما من أئمة أهل السنة في باب الصحابة، حيث أثنى عليهم جميعا، ورتبهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة كما هو قول أهل السنة"[7].

فقد عقد البيهقي بابا في كتابه "مناقب الشافعي" ساق فيه بإسناده ما يؤثر عن الشافعي في الخلفاء الراشدين الأربعة، وإليك شيئا مما جاء فيه بعد حذف الأسانيد:

"قال الشافعي: وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهناهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ منازل الصديقين والشهداء والصالحين، هم أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاما وخاصا، وعزما وإرشادا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا والله أعلم".

وقال: "أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي رضي الله عنهم".

وقال: "اضطر الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلي أبي بكر، فلم يجدوا تحت أديم السماء خيرا من أبي بكر، من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس".

وقال: "ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان: منهم من قدم عليا على عثمان، ومنهم من قدم عثمان على علي، ونحن لا نخطئ أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما فعلوا".

وقال الربيع بن سليمان: "سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي".

وقال: "سمعت الشافعي يقول في الخلافة: التفضيل يبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي"[8].

وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه "الانتقاء" بعض ما قاله الشافعي في الخلفاء الراشدين، قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي يقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، الخلفاء الراشدون المهديون، وقد سأل حرملة بن يحيى الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، من الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز[9].

وقال الشافعي:

شهدت بأن الله لا رب غيره

وأشهد أن البعث حق وأخلص

وأن عرى الإيمان قول مبين

وفعل ذكي قد يزيد وينقص

وأن أبا بكر خليفة ربه

وكان أبو حفص على الخير يحرص

وأشهد ربي أن عثمان فاضل

وأن عليا فضله متخصص

أئمة قوم يهتدي بهداهم

لحى الله من إياهم يتنقص[10]

ومن الأدلة على نفي نسبة الشافعي إلى التشيع أنه كان يترضى على معاوية - رضي الله عنه - في كتابه الأم، وكذا كان علماء الشافعية مثل الإمام النووي - رحمه الله - وغيره.

كما كان الشافعي كثير الاحتجاج بأفعال معاوية - رضي الله عنه - ورواياته، ويروي الشافعي عن ابن عباس قوله في مدح علم معاوية: "يا بني ليس أحد منا أعلم من معاوية "[11].

 ومما يدعم الرد على هذه الشبهة أن الشافعي كان على علم بما حدث بين علي ومعاوية في معركة صفين، بل حكى تفاصيل المعركة، ورغم ذلك لم يطعن في معاوية.

ومما يدل على براءة الشافعي من هذا الاتهام أنه ذم الروافض والشيعة في كثير من أقواله التي اشتهرت عنه منها مار واه البيهقي عن الشافعي حيث يقول:

"أجيز شهادة أهل الأهواء كلهم إلا الرافضة، فإنهم يشهد بعضهم لبعض"[12].

ويقول: "لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة"[13].

ومما يشهد ببطلان هذا الاتهام - أيضا - أن الشافعي نفسه قد أنكر التشيع وتبرأ منه فقد أخرج ابن عبد البر في كتابه "الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء بسنده فقال: "قيل للشافعي: إن فيك بعض التشيع، قال: وكيف ذاك؟ قالوا: لأنك تظهر حب آل محمد، فقال: يا قوم، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين»

[14].

فإذا كان واجبا علي أن أحب قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانوا من المتقين ألا يكون هذا من الدين؛ لأنه كان يحب قرابته، وأنشد: يا راكبا قف بالمحصب من منى"[15].

فهل يعقل بعد كل هذه الأدلة على اعترافه بفضل أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وإنكاره الشديد على الشيعة أن يكون الشافعي متشيعا؟!

ثانيا. اتهام الشافعي بالتنجيم اتهام باطل، وأدلته كلها ضعيفة لا تصح:

إن اتهام الشافعي بالتنجيم اتهام باطل، أدلته واهية لا تثبت أمام النقد، وقد أجاب العلامة ابن القيم - رحمه الله - عن هذا الاتهام في كتابه "مفتاح دار السعادة"؛ إذ يقول:

"وأما ما نسب إلى الشافعي من حكمه بالنجوم فلقد نسب الشافعي إلي هذا العلم وحكمه فيه بأحكام ليعجز عن مثلها أئمة المنجمين، واستدل القوم على شبهتهم هذه بما جاء في كتاب " مناقب الشافعي " للرازي من حكايات، ونحن نبين حالها ليتبين أن نسبة ذلك إلى الشافعي كذب عليه، وأن الصحيح عنه من ذلك ما كانت العرب تعرفه من علم المنازل والاهتداء بالنجوم في الطرقات، وهذا هو الثابت الصحيح عنه بأصح إسناد إليه.

قال الحاكم: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي:

قال الله عز وجل:

(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر)

الأنعام: [97].

وقال:

(وعلامات وبالنجم هم يهتدون)

النحل: [16].

 كانت العلامات جبالا يعرفون مواضعها من الأرض وشمسا وقمرا ونجما مما يعرفون من الفلك ورياحا يعرفون صفاتها في الهواء تدل على قصد البيت الحرام.

وأما الحكايات التي ذكرت عنه في أحكام النجوم فثلاث حكايات:

إحداها: قال الحاكم: "قرئ على أبي يعلى حمزة بن محمد العلوي وأكثر ظني أني حضرته، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن العباس الأزدي في آخرين، قالوا: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الجوال الدينوري، حدثنا عبد الله بن محمد البلوي، حدثني خالي عمارة بن زيد قال: كنت صديقا لمحمد بن الحسن، فدخلت معه يوما على هارون الرشيد فساءله، ثم إني سمعت محمد بن الحسن، وهو يقول: إن محمد بن إدريس - أي: الشافعي - يزعم أن للخلافة أهلا، قال: فاستشاط هارون من قوله غضبا ثم قال: علي به! فلما مثل بين يديه أطرق ساعة ثم رفع رأسه إليه فقال: إيها.

قال الشافعي: ما إيها يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدعو، وأنت السائل وأنا المجيب، فذكر حكاية طويلة، سأله فيها عن العلوم ومعرفته بها إلى أن قال: كيف علمك بالنجوم؟

قال: أعرف الفلك الدائر، والنجم السائر، والقطب الثابت، والمائي، والناري، وما كانت العرب تسميه الأنوار، ومنازل النيران والشمس والقمر والاستقامة والرجوع والنحوس والسعود، وهيئاتها وطبائعها وما استدل به من بري وبحري، وأستدل في أوقات صلاتي، وأعرف ما مضى من أوقات في كل ممسي ومصبح، وطعني في أسفاري.

قال: كيف علمك بالطب؟

قال: أعرف ما قالت الروم مثل أرسطاطاليس ومهراريس وخرفوريس وجالينوس وبقراط واسدفليس بلغاتهم، وما نقل من أطباء العرب وفلاسفة الهند ونمقته علماء الفرس، مثل حاماسن وشاهمرو وبهم ردويوز جمهر...، ثم ساق العلوم على هذا النحو في حكاية طويلة يعلم ما له علم بالمنقولات أنها كذب مختلق وإفك مفترى على الشافعي، والبلاء فيها من عند محمد بن عبد الله البلوي هذا فإنه كذاب وضاع، وهو الذي وضع رحلة الشافعي وذكر فيها مناظرته لأبي يوسف بحضرة الرشيد، ولم ير الشافعي أبا يوسف ولا اجتمع به قط، وإنما دخل بغداد بعد موته!

ثم إن في سياق الحكاية ما يدل - لمن له عقل - على أنها كذب مفترى، فإن الشافعي لم يعرف لغة اليونان ألبتة حتى يقول: إني أعرف ما قالوه بلغتهم.

وأيضا فإن في الحكاية أن محمد بن الحسن وشى بالشافعي إلى الرشيد وأراد قتله، وتعظيم محمد الشافعي ومحبته له وتعظيم الشافعي له وثناؤه عليه هو المعروف بدفع هذا الكذب.

وأيضا فإن الشافعي - رحمه الله - لم يكن يعرف علم الطب اليوناني، بل عنده من طب العرب طرف حفظ عنه في المنثور من كلامه، كنهيه عن أكل الباذنجان والبيض المسلوق بالليل وغير ذلك.

فأما أنه كان يعلم طب اليونان والروم والهند والفرس بلغاتهم - كما زعمت الرواية - فهذا بهت وكذب عليه، فقد أعاذه الله من هذه الدعوى، وبالجملة فمن له علم بالمنقولات لا يشك في كذب هذه الحكاية عليه، ولولا طولها لسقناها؛ ليتبين أثر الصنعة والوضع عليها.

هذا عن الحكاية الأولى، وأما الثانية: فقال الحاكم: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا الحسن بن سفيان عن حرملة قال: "كان الشافعي يديم النظر في كتب النجوم وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت، فقال: إنها تلد على سبعة وعشرين يوما ويكون في فخذ الولد الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوما ثم يموت، فجاءت به على النعت الذي وصف، وانقضت مدته فمات، فأحرق الشافعي بعد ذلك تلك الكتب، وما عاود النظر في شيء منها".

وهذا الإسناد رجاله ثقات، لكن الشأن فيمن حدث أبا الوليد بهذه الحكاية عن الحسن بن سفيان، أو فيمن حدث بها الحسن عن حرملة، وهذه الحكاية لو صحت لوجب أن تثني الخناصر على هذا العلم وتشد به الأيدي، لا أن تحرق كتبه ويهان غاية الإهانة ويجعل طعمة للنار، وهذا لا يفعل إلا بكتب المحال والباطل.

ثم إنه ليس في العالم طالع للولادة يقتضي هذا كله؛ لأن الطالع عند المنجمين طالعان: طالع مسقط النطفة، وهو الطالع الأصلي، وهذا لا سبيل إلى العلم به إلا في أندر النادر الذي لا يقتضيه الوجود، وطالع الولادة، وهم معترفون أنه لا يدل على أحوال الولد وجزئيات أمره؛ لأنه انتقال الولد من مكان إلى مكان، وإنما أخذوه بدلا من الطالع الأصلي لما تعذر عليهم اعتباره، وهذه الحكاية ليس فيها واحد من الطالعين؛ لأن فيها الحكم على المولود قبل خروجه من غير اعتبار طالعه الأصلي، والمنجم يقطع بأن الحكم على هذا الولد لا سبيل إليه، وليس في صناعة النجوم ما يوجب الحكم عليه والحالة هذه، وهذا يدل على أن هذه الحكاية كذب مختلق على الشافعي على هذا الوجه.

الحكاية الثالثة، وهي ما رواه الحاكم أيضا: أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي أن زكريا بن يحيى الساجي حدثهم: أخبرني أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول: "كان الشافعي وهو حدث ينظر في النجوم، وما نظر في شيء إلا فاق فيه، فجلس يوما وامرأة تلد، فحسب فقال: تلد جارية عوراء على فرجها خال أسود، وتموت إلى كذا وكذا، فولدت فكان كما قال، فجعل على نفسه ألا ينظر فيه أبدا"، وأمر هذه الحكاية كالتي قبلها، فإن ابن بنت الشافعي لم يلق الشافعي ولا رآه، والشأن فيمن حدثه بهذا عنه، والذي عندي في هذا أن الناقل إن أحسن به الظن فإنه غلط على الشافعي.

والصحيح أن الشافعي كان من أفرس الناس وكان قد قرأ كتب الفراسة، وكانت له فيها اليد الطولى، فعلى فرض صحة هذه الحوادث سندا فإن حكمه فيها وأمثالها كان بالفراسة فأصاب الحكم، فظن الناقل أن الحكم كان يسند إلى قضايا النجوم وأحكامها، وقد برأ الله من هو دون الشافعي من ذلك الهذيان، فكيف بمثل الشافعي - رحمه الله - في عقله وعلمه ومعرفته حتى يروج عليه هذيان المنجمين الذي لا يروج إلا على جاهل ضعيف العقل" [16].

ولقد صدرت القصة بالفعل (يقال) المبني للمجهول، وهو مثل الفعل(روي) الذي يشير به المحدثون إلى ضعف الحديث وتوهينه، فالقصة إذا ضعيفة، فإن أبينا قبول ضعفها وتوهينها اصطدمنا بمسألة أخرى تنسف حجة من أراد أن يجعل فيها حجة له رجما بالغيب، وهي كون هذه القصة وقعت والشافعي حدث، ثم تاب وأقلع عنها لما علم من عظم الذنب الذي يقترفه من أراد منازعة الله في غيبه، والخوض فيما نهى عنه وحذر منه، يقول السبكي في الطبقات: "واعلم أنه قد يعترض معترض على نظر هذا الإمام في النجوم، فيجيب مجيب أن ذلك كان في حداثة سنه، وليس هذا بجواب، والخطب في مسألة النظر في النجوم جليل عسير، وجماع القول فيه: أن النظر فيه لمن يحب إحاطة بما عليه أهله غير منكر، أما اعتقاد تأثيره، وما يقوله أهله فهذا هو المنكر، ولم يقل بحله لا الشافعي ولا غيره"[17].

كما أن دفن كتب النجوم أو إحراقها دليل على خشية الشافعي من اعتقاد تأثيرها ورجوعه عن قراءتها والعمل بما فيها.

فراسة الشافعي وشدة ذكائه:

لقد كان الشافعي من أذكى الرجال في زمانه، وقد وردت عنه روايات تدل على مدى فراسته وذكائه، من ذلك ما ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم والحاكم وغيرهما عن الحميدي قال: قال الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل وهو محتب بفناء داره أزرق العين ناتئ الجبهة سفاط، فقلت له: هل من منزل؟ قال: نعم، قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة، فأنزلني فرأيت أكرم رجل بعث إلي بعشاء وطيب وعلف لدوابي وفراش ولحاف، وجعلت أتقلب الليل أجمع ما أصنع بهذه الكتب، فلما أصبحت قلت للغلام أسرج فأسرج فركبت ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكة ومررت بذي طوى، فاسأل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي.

فقال لي الرجل: أمولى لأبيك أنا؟ قلت: لا.

قال: فهل كان لك عندي نعمة؟ قلت: لا.

قال: فأين ما تكلفت لك البارحة؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريت لك طعاما بدرهمين، وأدما بكذا، وعطرا بثلاثة دراهم، وعلفا لدوابك بدرهمين، وكرى الفرا

أجوبة أخرى

  • ادعاء أن الشافعي كان شيعيا منجما يضع الأحاديث

    المؤلف : مجموعة مؤلفين المصدر : شبهات المشككين في الإسلام المشاهدات : 72

    مضمون الشبهة: يدعي بعض المشككين أن الإمام الشافعي - رحمه الله - كان شيعيا رافضيا، ويستدلون على تشيعه وانتمائه للرافضة[1] بأنه قال أشعارا كثيرة تشعر برغبته في هذا المذهب وحبه له، وأن يحيى بن معين رماه بالرفض. كما يزعمون أنه كان منجما بارعا، مستدلين على ذلك بما أورده الرازي في كتابه "مناقب الشافعي"، حيث ذكر فصلا تحت عنوان "في معرفة الشافعي بالنجوم"، وأورد فيه كثيرا من الحكايات التي توهم بذلك، كما يزعمون أنه كان واحدا ممن زوروا الأحاديث، وكان ممن يجتهدون وينسبون اجتهاداتهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم. متسائلين: كيف تقبل رواية من كان شيعيا منجما واضعا للحديث على النبي صلى الله عليه وسلم؟! رامين من وراء ذلك إلى الطعن في عدالة الإمام الشافعي رحمه الله، والتشكيك في مذهبه الفقهي وما رواه من أحاديث.