نص السؤال

هم يَسمَحون لنا ببناءِ المساجد؛ فلماذا لا نَسمَحُ لهم ببناءِ الكنائس؟ وهم يَسمَحون للمسلِمين بالدعوةِ إلى الإسلام؛ فلماذا لا يُسمَحُ لهم بمِثلِ ذلك؟ وهم يهنِّئوننا بأعيادِنا الدينيَّة؛ فلماذا لا نقابِلُهم بالمِثل؟ وهم يَسمَحون لنا بدخولِ دُورِ عبادتِهم؛ فلماذا لا نَسمَحُ لهم بدخولِ المسجدِ الحرام؟

المؤلف: باحثو مركز أصول

المصدر: مركز أصول

عبارات مشابهة للسؤال

الحكمةُ مِن منعِ بناءِ الكنائس، ومنعِ غيرِ المسلِمين مِن دخولِ المسجدِ الحرام.

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:

والجوابُ عن هذه الشبهةِ مِن حيثُ التفصيلُ يكونُ مِن أوجُه:

1- المقابَلةُ بالمثلِ تكونُ مقبولةً؛ حيثُ قبِلَتْها الشريعة، ومردودةً؛ حيث ردَّتْها الشريعة؛ فالشريعةُ لا تَقْضي إلا بمُوجَبِ الحكمة:

فمع الإقرارِ بحسنِ مقابَلةِ إحسانِ الآخَرين بمِثلِه، بل أن يتجاوَزَ المرءُ ذلك إلى الفضلِ والإحسان، يجبُ - حين تكونُ هذه المقابَلةُ ناقِضةً لأصلٍ قطعيٍّ، أو مخالِفةً لأمرٍ أو نهيٍ شرعيٍّ -: أن يختلِفَ الوضعُ تمامًا؛ فلا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن نفكِّرَ بخيارِ المقابَلةِ، بغضِّ النظرِ عن طبيعةِ هذه المقابَلة، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

والدعوةُ - الواردةُ في السؤالِ - إلى بناءِ الكنائسِ، كما يُسمَحُ لنا ببناءِ المساجد، والتهنئةِ بالأعيادِ، كما يهنِّئوننا بأعيادِنا، والدعوةُ إلى السماحِ لهم بدخولِ المسجِدِ الحرامِ، كما يَسمَحون لنا بدخولِ دُورِ عبادتِهم -: الدعوةُ إلى هذا كلِّه أو بعضِهِ: تتضمَّنُ دعوةً إلى مخالَفةِ أحكامٍ وأصولٍ شرعيَّةٍ واضحةٍ لمجرَّد تحقيقِ المقابَلة، فبدلًا مِن أن نُخضِعَ مثالَ المقابَلةِ إلى أصولِ شرعِنا، كما أُمِرْنا أن نَفعَلَ، أصبَحَ شرعُنا محكومًا بهذه المقابَلةِ؛ فصار الحكمُ - عندنا - حرامًا ومنهيًّا عنه؛ لِمَا فيه مِن ضرَرٍ وفسادٍ، لكنْ إذا فعَلوا لنا شيئًا مِثلَهُ، فيجمُلُ بنا أن نتخلَّى عن أحكامِ شرعِنا، ونَجعَلَهُ مباحًا مِن بابِ المقابَلة؛ هذا ما لا يَصِحُّ ولا يستقيمُ شرعًا وعقلًا، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

إن المسلِمَ يَتبَعُ حكمَ الشريعةِ في أوامرِها ونواهيها، فإذا كانت المقابَلةُ مما لا تَمنَعُ منه الشريعةُ، فلا إشكالَ هنا في المقابَلةِ بالمِثل، وقد جاءت الشريعةُ بتقريرِ هذا الأصل، وأمَرتْ بمقابَلةِ الإحسانِ بإحسانٍ؛

كما في قولِهِ تعالى:

{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}

[النساء: 86].

بل جاءت الشريعةُ بما هو أشرفُ وأجملُ مِن بَذْلِ البِرِّ والإحسان؛ وهو قدرٌ زائدٌ على محضِ العدل؛

قال تعالى:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}

[الممتحنة: 8].

والأمرُ يقومُ على بدَهيَّةٍ شرعيَّةٍ تتَّصِلُ بمنطقِ الحقِّ والباطلِ في التصوُّرِ الإسلاميِّ، وما يترتَّبُ على كلِّ واحدٍ منهما مِن أحكامٍ وآثار:

فالإسلامُ جاء بمنظومةٍ مِن التشريعاتِ العقَديَّةِ والعمَليَّةِ؛ انطلاقًا مِن حقيقةِ كونِهِ حقًّا، وكونِ ما سواه باطلًا؛ ولذا صَحَّ فيه أن يكونَ فرقانًا بين الحقِّ والباطل، لا على مستوى التصوُّرِ النظريِّ، أو الحكمِ الأخرويِّ فحَسْبُ، بل على المستوى العمَليِّ، وَفْقَ منظومةٍ تشريعيَّةٍ يُميَّزُ مِن خلالِها بين قِيَمِ الحقِّ وقِيَمِ الباطل، وتنتفي فيه المساواةُ بينهما؛ فالحقُّ متمايِزٌ عن الباطلِ، والتسويةُ بينهما ظلمٌ؛

{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}

[يونس: 32].

وتميِّزُ الشريعةُ بين حَمَلةِ الحقِّ وحَمَلةِ الباطل؛ فالطائفتانِ لا تستويانِ؛

كما قال تعالى:

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}

[فاطر: 19- 22]،

وقال:

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}

[ص: 28]،

وقال:

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}

[الجاثية: 21]،

وقال:

{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}

[الحشر: 20]،

وقال:

{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}

[السجدة: 8]،

وقال:

{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}

[القلم: 35- 36].

والأمثلةُ والشواهدُ على الممايَزةِ بين الحقِّ والباطلِ وأصحابِهما في تفاصيلِ التشريعاتِ العمليَّةِ، أكثَرُ مِن أن تُذكَرَ في أبوابِ العباداتِ، والجِناياتِ، والحدودِ، والمواريثِ، والأَنكِحةِ، والأَطعِمةِ، والشهادةِ، والوِلايةِ، والحَضَانةِ، وحريَّةِ التعبُّدِ، وغيرِها.

وخُذْ هذه الشواهدَ مختصَرةً للتدليلِ على سَعَةِ الشبَكةِ التشريعيَّةِ التي تؤكِّدُ بدَهيَّةَ نفيِ المساواةِ بين أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطل؛

قال اللهُ تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

[المائدة: 51]،

وقال:

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}

[النساء: ١٤١]،

وقال:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}

[آل عمران: 118]،

وقال:

{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}

[البقرة: 221]،

وقال:

{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}

[الممتحنة: 10]،

وقال:

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}

[الأنعام: 121].

وبهذا جاءت الأحاديثُ الصحيحةُ: 

«لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»؛ 

رواه البخاري (111)،

 «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»

؛ رواه البخاري (6764)، ومسلم (1614)،

 «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»

؛ رواه البخاري (3053)، ومسلم (1637)،

 «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ»

؛ رواه أحمد ( 43/ 371 رقم 26352).

هذه بعضُ الشواهدِ المختصَرةِ، وهي كافيةٌ في التأكيدِ على هذه الحقيقةِ الشرعيَّةِ المحكَمةِ، وهي تُغْني عن الاستطرادِ والاستغراقِ في ذكرِ الفروعِ الفقهيَّةِ الناشئةِ عن هذه الشواهدِ في مختلِفِ الأبوابِ الشرعيَّة، وهي كلُّها تصُبُّ في تأكيدِ قاعدةٍ مِن قواعدِ الشريعةِ تتابَعَ العلماءُ على ذِكرِها، ولفظُها مأخوذٌ مِن القاعدةِ الأثَريَّةِ: «الإسلامُ يَعْلو، ولا يُعلَى عليه»؛ وذلك أن الإسلامَ حقٌّ، وما سواه باطلٌ، والباطلُ لا ينبغي تركُهُ حتى يعلُوَ على دينِ الله.

وفي ضوءِ هذا: فلا يصحُّ أن تُضفَى شرعيَّةٌ على الباطلِ بذريعةِ المقابَلةِ بالمِثلِ؛ فلا يَلزَمُ مِن إعطاءِ حقِّ الدعوةِ للشريعةِ الحقَّةِ أن يُعطَى الباطلُ المصادِمُ للشريعةِ ذاتَ الحقِّ؛ فالمسلِمُ ينطلِقُ في تصوُّراتِهِ مِن كونِ الإسلامِ حقًّا، ويتعامَلُ مع الأفكارِ المخالِفةِ له على أساسِ أنها باطلٌ، ليس لها ذاتُ الشرعيَّةِ التي للإسلام.

وبناءً عليه: فلا ينبغي للمسلِمِ أن يجدَ في نفسِهِ أيَّ تناقُضٍ إطلاقًا، حين يُفسَحُ المجالُ للحقِّ ليَعمَلَ في الواقع، ويُجهَدُ في منعِ جيوبِ الباطلِ أن تتمدَّدَ.

إن هذه الرؤيةَ الشرعيَّةَ المحكَمةَ تعارِضُ مَن يريدُ تقريرَ لزومِ ووجوبِ المقابَلةِ بالمِثلِ؛ فهو لا يستحضِرُ وجودَ رؤيةٍ فكريَّةٍ حاسِمةٍ تَجعَلُ مِن نفسِها منفرِدةً بوصفِ الحقِّ في مقابِلِ الحكمِ ببطلانِ الرُّؤَى المغايِرةِ لها.

بل كثيرٌ مِن هؤلاءِ يتبنَّى القولَ بـ «نسبيَّةِ الحقيقةِ»، وعدمِ إمكانِ معرفتِها وامتلاكِها؛ وهو ما يُمكِنُ أن يفسِّرَ مشكِلةَ مَن يتبنَّى مثلَ هذه المقولة؛ إذْ هو متأثِّرٌ بتبنِّي رؤيةٍ سائلةٍ في محاكَمةِ الحقِّ والباطل، ليس لدَيْهِ وضوحٌ في الحدودِ الفاصلةِ بينهما، بما سيُفرِزُ المطالَبةَ بمساواةِ الباطلِ بالحقّ.

2- النِّظامُ الغربيُّ في كفالتِهِ للحرِّيَّاتِ والحقوقِ لم ينطلِقْ مِن مراعاةِ مصلحتِنا، أو مِن بابِ المقابَلةِ بالمِثل، وإنما انطلَقَ مِن مصلحتِهِ الخاصَّة، ومرجعيَّتِهِ الفكريَّة:

فالنِّظامُ الغربيُّ حين كفَلَ الحريَّاتِ، لم يكفُلْها مِن بابِ المقابَلةِ لأحدٍ، ولم يصُغْ نظامَهُ مراعيًا فيها أحدًا، إنما انطلَقَ معتمِدًا على مرجعيَّتِهِ الفكريَّة، ومصلحتِهِ الخاصَّة، ولو وجَدَ شيئًا مِن ذلك يضُرُّ بمصلحتِهِ، أو لا يُفيدُهُ، فإنه سيُعِيدُ تشكيلَ ذلك بناءً عليه، ولن يفكِّرَ بَتاتًا بطريقةٍ أننا سنُعْطيهم في مقابِلِ ما يُعْطوننا - كما جاء في السؤال - إنما هذا التفكيرُ الضعيفُ المضطرِبُ يَنشَأُ مِن ضعفِ بعضِ المسلِمين حين يُريدُ أن يصوغَ نظامَهُ السِّياسيَّ والاجتماعيَّ وَفْقًا لمرآةِ الثقافةِ الغربيَّة؛ إذا فعَلوا شيئًا، فهل يجبُ أن نَفعَلَ مِثلَه، دون أيِّ اعتبارٍ لأيِّ أصولٍ أخرى؟!

3- لا يَصِحُّ صبغُ المجتمَعاتِ الغربيَّةِ بألوانٍ مِن التسامُحِ تتجاوَزُ الواقعَ، وإضفاءُ المثاليَّةِ عليها:

فالقراءاتُ الرومانسيَّةُ الحالمةُ للواقع، والتي تصبُغُ المجتمَعاتِ الغربيَّةَ بألوانٍ مِن التسامُحِ تتجاوَزُ حقائقَ الواقع -: هي قراءاتٌ تتغافَلُ عن كثيرٍ مِن التعقيداتِ النظاميَّةِ الإجرائيَّةِ الموجودةِ عندهم، وأنهم كثيرًا ما يفرِّقون في تعامُلِهم بين ما كان مِن أعرافِهم وتقاليدِهم وأديانِهِم، وما كان وافدًا عليهم منها، وقد يتجاوَزون ذلك إلى مصادَرةِ عددٍ مِن الحقوقِ والحريَّاتِ؛ كأن يَفرِضوا على المسلِمين ما يخالِفُ دِينَهم، أو يَمنَعوهم مما يجبُ عليهم؛ كمنعِ النِّقابِ، أو بناءِ المساجدِ، أو إعلاءِ المآذنِ، بل المعروفُ في تاريخِ الأممِ الصليبيَّةِ: أنها حوَّلت كثيرًا مِن المساجدِ إلى كنائسَ، كما قام اليهودُ بعد احتلالِ فِلَسْطِينَ بتحويلِ الكثيرِ مِن مساجِدِها إلى كنائسَ، أو مراقِصَ، ومَن طلَبَ معرفةَ مثلِ هذه الحوادثِ، سيقفُ منها على شيءٍ كثيرٍ.

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال: صاحبُ هذه المقولةِ يستنِدُ إلى ما يتوهَّمُهُ مندرِجًا تحت قاعدةِ العدلِ المعروفة؛ فإذا أحسَنَ إليك شخصٌ مَّا، فعليك أن تقابِلَ إحسانَهُ بإحسانٍ، بل قد يظُنُّ بعضُ الناسِ أن مقتضى الفضلِ الأخلاقيِّ هنا أن تتجاوَزَ هذا، فتعامِلَ الناسَ كما تُحِبُّ أن تُعامَلَ.

مختصَرُ الإجابة:

الإشكالُ مع هذه المقولةِ: أنها تُنْسِي في غَمْرةِ الخضوعِ لأوهامِ المساواةِ والعدلِ مسلَّمةً بدَهيَّةً، وهي: أن كلَّ شخصٍ له مرجعيَّةٌ عُلْيا يحتكِمُ إليها في معرفةِ الصوابِ والخطأ، وتحديدِ الحقِّ والباطل؛ فلا يَصِحُّ أن يَخضَعَ لضغطِ الحالةِ النفسيَّةِ والهوى الخاصِّ، في مقابَلةِ الشيءِ بمِثلِه؛ فيقَعُ في مخالَفةِ هذه المرجعيَّةِ وتعطيلِها.

فمع الإقرارِ بحسنِ مقابَلةِ إحسانِ الآخَرين بمِثلِه، بل أن يتجاوَزَ المرءُ ذلك إلى الفضلِ والإحسان، يجبُ - حين تكونُ هذه المقابَلةُ ناقِضةً لأصلٍ قطعيٍّ، أو مخالِفةً لأمرٍ أو نهيٍ شرعيٍّ -: أن يختلِفَ الوضعُ تمامًا؛ فلا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن نفكِّرَ بخيارِ المقابَلةِ، بغضِّ النظرِ عن طبيعةِ هذه المقابَلة، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

وفي الأمثلةِ الواردةِ في السؤالِ نجدُ أنها تتضمَّنُ دعوةً إلى مخالَفةِ أحكامٍ وأصولٍ شرعيَّةٍ واضحةٍ لمجرَّدِ تحقيقِ المقابَلة؛ فبدلًا مِن أن نُخضِعَ مثالَ المقابَلةِ إلى أصولِ شرعِنا، كما أُمِرْنا أن نَفعَلَ، أصبَحَ شرعُنا محكومًا بهذه المقابَلة؛ فصار الحكمُ - عندنا - حرامًا ومنهيًّا عنه؛ لِمَا فيه مِن ضرَرٍ وفسادٍ، لكنْ إذا فعَلوا لنا شيئًا مِثلَهُ، فيجمُلُ بنا أن نتخلَّى عن أحكامِ شرعِنا، ونَجعَلَهُ مباحًا مِن بابِ المقابَلة؛ هذا ما لا يَصِحُّ ولا يستقيمُ شرعًا وعقلًا، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال: صاحبُ هذه المقولةِ يستنِدُ إلى ما يتوهَّمُهُ مندرِجًا تحت قاعدةِ العدلِ المعروفة؛ فإذا أحسَنَ إليك شخصٌ مَّا، فعليك أن تقابِلَ إحسانَهُ بإحسانٍ، بل قد يظُنُّ بعضُ الناسِ أن مقتضى الفضلِ الأخلاقيِّ هنا أن تتجاوَزَ هذا، فتعامِلَ الناسَ كما تُحِبُّ أن تُعامَلَ.

مختصَرُ الإجابة:

الإشكالُ مع هذه المقولةِ: أنها تُنْسِي في غَمْرةِ الخضوعِ لأوهامِ المساواةِ والعدلِ مسلَّمةً بدَهيَّةً، وهي: أن كلَّ شخصٍ له مرجعيَّةٌ عُلْيا يحتكِمُ إليها في معرفةِ الصوابِ والخطأ، وتحديدِ الحقِّ والباطل؛ فلا يَصِحُّ أن يَخضَعَ لضغطِ الحالةِ النفسيَّةِ والهوى الخاصِّ، في مقابَلةِ الشيءِ بمِثلِه؛ فيقَعُ في مخالَفةِ هذه المرجعيَّةِ وتعطيلِها.

فمع الإقرارِ بحسنِ مقابَلةِ إحسانِ الآخَرين بمِثلِه، بل أن يتجاوَزَ المرءُ ذلك إلى الفضلِ والإحسان، يجبُ - حين تكونُ هذه المقابَلةُ ناقِضةً لأصلٍ قطعيٍّ، أو مخالِفةً لأمرٍ أو نهيٍ شرعيٍّ -: أن يختلِفَ الوضعُ تمامًا؛ فلا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن نفكِّرَ بخيارِ المقابَلةِ، بغضِّ النظرِ عن طبيعةِ هذه المقابَلة، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

وفي الأمثلةِ الواردةِ في السؤالِ نجدُ أنها تتضمَّنُ دعوةً إلى مخالَفةِ أحكامٍ وأصولٍ شرعيَّةٍ واضحةٍ لمجرَّدِ تحقيقِ المقابَلة؛ فبدلًا مِن أن نُخضِعَ مثالَ المقابَلةِ إلى أصولِ شرعِنا، كما أُمِرْنا أن نَفعَلَ، أصبَحَ شرعُنا محكومًا بهذه المقابَلة؛ فصار الحكمُ - عندنا - حرامًا ومنهيًّا عنه؛ لِمَا فيه مِن ضرَرٍ وفسادٍ، لكنْ إذا فعَلوا لنا شيئًا مِثلَهُ، فيجمُلُ بنا أن نتخلَّى عن أحكامِ شرعِنا، ونَجعَلَهُ مباحًا مِن بابِ المقابَلة؛ هذا ما لا يَصِحُّ ولا يستقيمُ شرعًا وعقلًا، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:

والجوابُ عن هذه الشبهةِ مِن حيثُ التفصيلُ يكونُ مِن أوجُه:

1- المقابَلةُ بالمثلِ تكونُ مقبولةً؛ حيثُ قبِلَتْها الشريعة، ومردودةً؛ حيث ردَّتْها الشريعة؛ فالشريعةُ لا تَقْضي إلا بمُوجَبِ الحكمة:

فمع الإقرارِ بحسنِ مقابَلةِ إحسانِ الآخَرين بمِثلِه، بل أن يتجاوَزَ المرءُ ذلك إلى الفضلِ والإحسان، يجبُ - حين تكونُ هذه المقابَلةُ ناقِضةً لأصلٍ قطعيٍّ، أو مخالِفةً لأمرٍ أو نهيٍ شرعيٍّ -: أن يختلِفَ الوضعُ تمامًا؛ فلا يصحُّ شرعًا ولا عقلًا أن نفكِّرَ بخيارِ المقابَلةِ، بغضِّ النظرِ عن طبيعةِ هذه المقابَلة، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

والدعوةُ - الواردةُ في السؤالِ - إلى بناءِ الكنائسِ، كما يُسمَحُ لنا ببناءِ المساجد، والتهنئةِ بالأعيادِ، كما يهنِّئوننا بأعيادِنا، والدعوةُ إلى السماحِ لهم بدخولِ المسجِدِ الحرامِ، كما يَسمَحون لنا بدخولِ دُورِ عبادتِهم -: الدعوةُ إلى هذا كلِّه أو بعضِهِ: تتضمَّنُ دعوةً إلى مخالَفةِ أحكامٍ وأصولٍ شرعيَّةٍ واضحةٍ لمجرَّد تحقيقِ المقابَلة، فبدلًا مِن أن نُخضِعَ مثالَ المقابَلةِ إلى أصولِ شرعِنا، كما أُمِرْنا أن نَفعَلَ، أصبَحَ شرعُنا محكومًا بهذه المقابَلةِ؛ فصار الحكمُ - عندنا - حرامًا ومنهيًّا عنه؛ لِمَا فيه مِن ضرَرٍ وفسادٍ، لكنْ إذا فعَلوا لنا شيئًا مِثلَهُ، فيجمُلُ بنا أن نتخلَّى عن أحكامِ شرعِنا، ونَجعَلَهُ مباحًا مِن بابِ المقابَلة؛ هذا ما لا يَصِحُّ ولا يستقيمُ شرعًا وعقلًا، بل يجبُ أن تكونَ المقابَلةُ غيرَ مخالِفةٍ للشريعة.

إن المسلِمَ يَتبَعُ حكمَ الشريعةِ في أوامرِها ونواهيها، فإذا كانت المقابَلةُ مما لا تَمنَعُ منه الشريعةُ، فلا إشكالَ هنا في المقابَلةِ بالمِثل، وقد جاءت الشريعةُ بتقريرِ هذا الأصل، وأمَرتْ بمقابَلةِ الإحسانِ بإحسانٍ؛

كما في قولِهِ تعالى:

{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}

[النساء: 86].

بل جاءت الشريعةُ بما هو أشرفُ وأجملُ مِن بَذْلِ البِرِّ والإحسان؛ وهو قدرٌ زائدٌ على محضِ العدل؛

قال تعالى:

{لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}

[الممتحنة: 8].

والأمرُ يقومُ على بدَهيَّةٍ شرعيَّةٍ تتَّصِلُ بمنطقِ الحقِّ والباطلِ في التصوُّرِ الإسلاميِّ، وما يترتَّبُ على كلِّ واحدٍ منهما مِن أحكامٍ وآثار:

فالإسلامُ جاء بمنظومةٍ مِن التشريعاتِ العقَديَّةِ والعمَليَّةِ؛ انطلاقًا مِن حقيقةِ كونِهِ حقًّا، وكونِ ما سواه باطلًا؛ ولذا صَحَّ فيه أن يكونَ فرقانًا بين الحقِّ والباطل، لا على مستوى التصوُّرِ النظريِّ، أو الحكمِ الأخرويِّ فحَسْبُ، بل على المستوى العمَليِّ، وَفْقَ منظومةٍ تشريعيَّةٍ يُميَّزُ مِن خلالِها بين قِيَمِ الحقِّ وقِيَمِ الباطل، وتنتفي فيه المساواةُ بينهما؛ فالحقُّ متمايِزٌ عن الباطلِ، والتسويةُ بينهما ظلمٌ؛

{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ}

[يونس: 32].

وتميِّزُ الشريعةُ بين حَمَلةِ الحقِّ وحَمَلةِ الباطل؛ فالطائفتانِ لا تستويانِ؛

كما قال تعالى:

{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ}

[فاطر: 19- 22]،

وقال:

{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}

[ص: 28]،

وقال:

{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}

[الجاثية: 21]،

وقال:

{لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ}

[الحشر: 20]،

وقال:

{أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ}

[السجدة: 8]،

وقال:

{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}

[القلم: 35- 36].

والأمثلةُ والشواهدُ على الممايَزةِ بين الحقِّ والباطلِ وأصحابِهما في تفاصيلِ التشريعاتِ العمليَّةِ، أكثَرُ مِن أن تُذكَرَ في أبوابِ العباداتِ، والجِناياتِ، والحدودِ، والمواريثِ، والأَنكِحةِ، والأَطعِمةِ، والشهادةِ، والوِلايةِ، والحَضَانةِ، وحريَّةِ التعبُّدِ، وغيرِها.

وخُذْ هذه الشواهدَ مختصَرةً للتدليلِ على سَعَةِ الشبَكةِ التشريعيَّةِ التي تؤكِّدُ بدَهيَّةَ نفيِ المساواةِ بين أهلِ الحقِّ وأهلِ الباطل؛

قال اللهُ تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}

[المائدة: 51]،

وقال:

{وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}

[النساء: ١٤١]،

وقال:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}

[آل عمران: 118]،

وقال:

{وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ}

[البقرة: 221]،

وقال:

{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ}

[الممتحنة: 10]،

وقال:

{وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}

[الأنعام: 121].

وبهذا جاءت الأحاديثُ الصحيحةُ: 

«لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»؛ 

رواه البخاري (111)،

 «لَا يَرِثُ المُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ»

؛ رواه البخاري (6764)، ومسلم (1614)،

 «أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ»

؛ رواه البخاري (3053)، ومسلم (1637)،

 «لَا يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ»

؛ رواه أحمد ( 43/ 371 رقم 26352).

هذه بعضُ الشواهدِ المختصَرةِ، وهي كافيةٌ في التأكيدِ على هذه الحقيقةِ الشرعيَّةِ المحكَمةِ، وهي تُغْني عن الاستطرادِ والاستغراقِ في ذكرِ الفروعِ الفقهيَّةِ الناشئةِ عن هذه الشواهدِ في مختلِفِ الأبوابِ الشرعيَّة، وهي كلُّها تصُبُّ في تأكيدِ قاعدةٍ مِن قواعدِ الشريعةِ تتابَعَ العلماءُ على ذِكرِها، ولفظُها مأخوذٌ مِن القاعدةِ الأثَريَّةِ: «الإسلامُ يَعْلو، ولا يُعلَى عليه»؛ وذلك أن الإسلامَ حقٌّ، وما سواه باطلٌ، والباطلُ لا ينبغي تركُهُ حتى يعلُوَ على دينِ الله.

وفي ضوءِ هذا: فلا يصحُّ أن تُضفَى شرعيَّةٌ على الباطلِ بذريعةِ المقابَلةِ بالمِثلِ؛ فلا يَلزَمُ مِن إعطاءِ حقِّ الدعوةِ للشريعةِ الحقَّةِ أن يُعطَى الباطلُ المصادِمُ للشريعةِ ذاتَ الحقِّ؛ فالمسلِمُ ينطلِقُ في تصوُّراتِهِ مِن كونِ الإسلامِ حقًّا، ويتعامَلُ مع الأفكارِ المخالِفةِ له على أساسِ أنها باطلٌ، ليس لها ذاتُ الشرعيَّةِ التي للإسلام.

وبناءً عليه: فلا ينبغي للمسلِمِ أن يجدَ في نفسِهِ أيَّ تناقُضٍ إطلاقًا، حين يُفسَحُ المجالُ للحقِّ ليَعمَلَ في الواقع، ويُجهَدُ في منعِ جيوبِ الباطلِ أن تتمدَّدَ.

إن هذه الرؤيةَ الشرعيَّةَ المحكَمةَ تعارِضُ مَن يريدُ تقريرَ لزومِ ووجوبِ المقابَلةِ بالمِثلِ؛ فهو لا يستحضِرُ وجودَ رؤيةٍ فكريَّةٍ حاسِمةٍ تَجعَلُ مِن نفسِها منفرِدةً بوصفِ الحقِّ في مقابِلِ الحكمِ ببطلانِ الرُّؤَى المغايِرةِ لها.

بل كثيرٌ مِن هؤلاءِ يتبنَّى القولَ بـ «نسبيَّةِ الحقيقةِ»، وعدمِ إمكانِ معرفتِها وامتلاكِها؛ وهو ما يُمكِنُ أن يفسِّرَ مشكِلةَ مَن يتبنَّى مثلَ هذه المقولة؛ إذْ هو متأثِّرٌ بتبنِّي رؤيةٍ سائلةٍ في محاكَمةِ الحقِّ والباطل، ليس لدَيْهِ وضوحٌ في الحدودِ الفاصلةِ بينهما، بما سيُفرِزُ المطالَبةَ بمساواةِ الباطلِ بالحقّ.

2- النِّظامُ الغربيُّ في كفالتِهِ للحرِّيَّاتِ والحقوقِ لم ينطلِقْ مِن مراعاةِ مصلحتِنا، أو مِن بابِ المقابَلةِ بالمِثل، وإنما انطلَقَ مِن مصلحتِهِ الخاصَّة، ومرجعيَّتِهِ الفكريَّة:

فالنِّظامُ الغربيُّ حين كفَلَ الحريَّاتِ، لم يكفُلْها مِن بابِ المقابَلةِ لأحدٍ، ولم يصُغْ نظامَهُ مراعيًا فيها أحدًا، إنما انطلَقَ معتمِدًا على مرجعيَّتِهِ الفكريَّة، ومصلحتِهِ الخاصَّة، ولو وجَدَ شيئًا مِن ذلك يضُرُّ بمصلحتِهِ، أو لا يُفيدُهُ، فإنه سيُعِيدُ تشكيلَ ذلك بناءً عليه، ولن يفكِّرَ بَتاتًا بطريقةٍ أننا سنُعْطيهم في مقابِلِ ما يُعْطوننا - كما جاء في السؤال - إنما هذا التفكيرُ الضعيفُ المضطرِبُ يَنشَأُ مِن ضعفِ بعضِ المسلِمين حين يُريدُ أن يصوغَ نظامَهُ السِّياسيَّ والاجتماعيَّ وَفْقًا لمرآةِ الثقافةِ الغربيَّة؛ إذا فعَلوا شيئًا، فهل يجبُ أن نَفعَلَ مِثلَه، دون أيِّ اعتبارٍ لأيِّ أصولٍ أخرى؟!

3- لا يَصِحُّ صبغُ المجتمَعاتِ الغربيَّةِ بألوانٍ مِن التسامُحِ تتجاوَزُ الواقعَ، وإضفاءُ المثاليَّةِ عليها:

فالقراءاتُ الرومانسيَّةُ الحالمةُ للواقع، والتي تصبُغُ المجتمَعاتِ الغربيَّةَ بألوانٍ مِن التسامُحِ تتجاوَزُ حقائقَ الواقع -: هي قراءاتٌ تتغافَلُ عن كثيرٍ مِن التعقيداتِ النظاميَّةِ الإجرائيَّةِ الموجودةِ عندهم، وأنهم كثيرًا ما يفرِّقون في تعامُلِهم بين ما كان مِن أعرافِهم وتقاليدِهم وأديانِهِم، وما كان وافدًا عليهم منها، وقد يتجاوَزون ذلك إلى مصادَرةِ عددٍ مِن الحقوقِ والحريَّاتِ؛ كأن يَفرِضوا على المسلِمين ما يخالِفُ دِينَهم، أو يَمنَعوهم مما يجبُ عليهم؛ كمنعِ النِّقابِ، أو بناءِ المساجدِ، أو إعلاءِ المآذنِ، بل المعروفُ في تاريخِ الأممِ الصليبيَّةِ: أنها حوَّلت كثيرًا مِن المساجدِ إلى كنائسَ، كما قام اليهودُ بعد احتلالِ فِلَسْطِينَ بتحويلِ الكثيرِ مِن مساجِدِها إلى كنائسَ، أو مراقِصَ، ومَن طلَبَ معرفةَ مثلِ هذه الحوادثِ، سيقفُ منها على شيءٍ كثيرٍ.