نص السؤال

استنكار النهي عن التطفيف أو البخس لأن الأموال ملك الأفراد يفعلون فيها ما يشاءون

عبارات مشابهة للسؤال

الإنسانُ لا يكونُ حُرًّا إلا إذا أنكَرَ وجودَ الله؛ فإنه ما دام يُثبِتُ وجودَ اللهِ، فلا بُدَّ مِن اتِّباعِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه.

الجواب التفصيلي

    استنكار النهي عن التطفيف أو البخس لأن الأموال ملك الأفراد يفعلون فيها ما يشاءون(*)

مضمون الشبهة:

استنكر قوم شعيب على نبيهم حين نهاهم عن التطفيف في الميزان قائلين: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء، ونحن راضون فيما بيننا وبين بعضنا بالبخس، فلم تمنعنا منه؟!

قال تعالى عنهم:

(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد)

(هود:87)

وجوه إبطال الشبهة:

1)  تحقيق العدل في الوزن والكيل فيه مصلحة الناس جميعا.

2)  بخس الناس حقوقهم فساد في الأرض.

3)  العقل يفرض على هؤلاء أن يأخذوا ما يدعو إليه النبي على فرض احتمال صدقه.

التفصيل:

يثير أهل مدين هذه الحجة الواهية ردا على نبي الله شعيب حين نهاهم عن نقصان المكيال والميزان والتطفيف فيه، وحين نهاهم عن بخس الناس أشياءهم، ويقولون له: إذا وقع التراضي بيننا بالبخس في الأشياء، ورضي بذلك كل من البائع والمشتري فلا وجه إذا لما تأمرنا به من منعه.

وقيل إن مما نهاهم عنه شعيب - عليه السلام - هو قطع الدراهم وكسرها وحذفها فهذا قولهم: (أن نفعل في أموالنا ما نشاء) أي: إنما هي أموالنا ودراهمنا ودنانيرنا نفعل فيها ما نشاء، إن شئنا قطعناها وإن شئنا حذفناها، وإن شئنا طرحناها، وقد كانوا يقرضون من أطراف الصحاح من الدراهم والدنانير لتفضل لهم القراضة، وكانوا يتعاملون على الصحاح عدا وعلى المقروضة وزنا، وكانوا يبخسون في الوزن.

فجاء القرآن ليصحح لهم تلك التصورات الفاسدة على النحو الآتي:

أولا. تحقيق العدل في الوزن والكيل فيه المصلحة للناس جميعا وهي قضية أمانة وعدالة جاءت بإقرارها الشريعة، ودعت الناس إليها:

قال تعالى:

(ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86)

(هود).

والقضية هنا هي قضية الأمانة والعدالة بعد قضية العقيدة والدينونة، أو هي قضية الشريعة والمعاملات التي تنبثق من قاعدة العقيدة والدينونة، فقد كان أهل مدين - وبلادهم تقع في الطريق من الحجاز إلى الشام - ينقصون المكيال والميزان، ويبخسون الناس أشياءهم، أي ينقصونهم قيمة أشيائهم في المعاملات، وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد كما تمس المروءة والشرف. كما كانوا بحكم موقع بلادهم يملكون أن يقطعوا الطريق على القوافل الذاهبة الآيبة بين شمال الجزيرة وجنوبها، ويتحكموا في طرق القوافل ويفرضوا ما يشاءون من المعاملات الجائرة التي وصفها الله في هذه السورة.

ومن ثم تبدو علاقة عقيدة التوحيد والدينونة لله وحده بالأمانة والنظافة وعدالة المعاملة وشرف الأخذ والعطاء، ومكافحة السرقة الخفية سواء قام بها الأفراد أم قامت بها الدول، فهي بذلك ضمانة لحياة إنسانية أفضل، وضمانة للعدل والسلام في الأرض بين الناس، وهي الضمانة الوحيدة التي تستند إلى الخوف من الله وطلب رضاه، فتستند إلى أصل ثابت، لا يتأرجح مع المصالح والأهواء.

إن المعاملات والأخلاق لا بد أن تستند إلى أصل ثابت لا يتعلق بعوامل متقلبة. هذه هي نظرة الإسلام، وهي تختلف من الجذور مع سائر النظريات الاجتماعية والأخلاقية التي ترتكن إلى تفكيرات البشر وتصوراتهم وأوضاعهم ومصالحهم الظاهرة لهم.

وهي حين تستند إلى ذلك الأصل الثابت ينعدم تأثرها بالمصالح المادية القريبة؛ كما ينعدم تأثرها بالبيئة والعوامل السائدة فيها.

فلا يكون المتحكم في أخلاق الناس وقواعد تعاملهم من الناحية الأخلاقية هو كونهم يعيشون على الزراعة أو يعيشون على الرعي أو يعيشون على الصناعة.. إن هذه العوامل المتغيرة تفقد تأثيرها في التصور الأخلاقي وفي قواعد المعاملات الأخلاقية، حين يصبح مصدر التشريع للحياة كلها هو شريعة الله، وحين تصبح قاعدة الأخلاق هي إرضاء الله وانتظار ثوابه وتوقي عقابه، وكل ما يدعيه أصحاب المذاهب الوضعية من تبعية الأخلاق للعلاقات الاقتصادية وللطور الاجتماعي للأمة يصبح لغوا في ظل النظرة الأخلاقية الإسلامية:

(ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير)

(هود: 84).

فقد رزقكم الله رزقا حسنا، فلستم في حاجة إلى هذه الدناءة لتزدادوا غنى، ولن يفقركم أو يضركم أن لا تنقصوا المكيال والميزان، بل إن هذا الخير ليهدده ما أنتم عليه من غش في المعاملة، أو غصب في الأخذ والعطاء.

(وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط)(هود:84)، إما في الآخرة عند الله، وإما في هذه الأرض حين يؤتى هذا الغش والغصب ثمارهما المرة في حالة المجتمع وفي حركة التجارة، وحين يذوق الناس بعضهم بأس بعض، في كل حركة من الحركات اليومية وفي كل تعامل وفي كل احتكاك.

ومرة أخرى يكرر شعيب نصحه في صورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية: (ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) (هود: 85). وإيفاء الكيل والميزان أقوى من عدم نقصهما؛ لأنه أقرب إلى جانب الزيادة.

وللعبارات ظل في الحس، وظل الإيفاء غير ظل عدم النقص، فهو أكثر سماحة ووفاء.

ثانيا. بخس الناس حقوقهم فساد في الأرض:

قال تعالى:

(ولا تبخسوا الناس أشياءهم)

(هود: 85).

وهذه أعم من المكيلات والموزونات، فهو يشمل حسن تقويم أشياء الناس من كل نوع: تقويمها كيلا أو وزنا أو سعرا أو تقديرا، وتقويمها ماديا أو معنويا. وقد تدخل في ذلك الأعمال والصفات؛ لأن كلمة "شيء" تطلق أحيانا ويراد بها غير المحسوسات.

وبخس الناس أشياءهم فوق أنه ظلم يشيع في نفوس الناس مشاعر سيئة من الألم أو الحقد، أو اليأس من العدل والخير و حسن التقدير، وكلها مشاعر تفسد جو الحياة والتعامل والروابط الاجتماعية والنفوس والضمائر، ولا تبقي على شيء صالح في الحياة.

(ولا تعثوا في الأرض مفسدين)(هود:85) والعثو هو الإفساد، فلا تفسدوا متعمدين الإفساد، قاصدين إلى تحقيقه، ثم يوقظ وجدانهم إلى خير أبقى من ذلك الكسب الدنس الذي يحصلون عليه بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم في التقدير:

(بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين)

(هود: ٨٦).

فما عند الله أبقى وأفضل، وقد دعاهم في أول حديثه إلى عبادة الله وحده أي: الدينونة له بلا شريك، فهو يذكرهم بها هنا، مع ذكر الخير الباقي لهم عند الله إن آمنوا كما دعاهم، واتبعوا نصيحته في المعاملات وهي فرع عن ذلك الإيمان.

(بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين)، ثم يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه، ويبين لهم أنه لا يملك لهم شيئا، كما أنه ليس موكلا بحفظهم من الشر والعذاب، وليس موكلا كذلك بحفظهم من الضلال ولا مسئولا عنهم إن هم ضلوا، إنما عليه البلاغ وقد أداه: (وما أنا عليكم بحفيظ)(هود:86). ومثل هذا الأسلوب يشعر المخاطبين بخطورة الأمر، وبثقل التبعة، ويقفهم وجها لوجه أمام العاقبة بلا وسيط ولا حفيظ.

ولكن القوم كانوا قد عتوا ومردوا على الانحراف والفساد، وسوء الاستغلال:

(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد)

(هود:87)

وهو رد واضح التهكم، بين السخرية في كل مقطع من مقاطعه، وإن كانت سخرية الجاهل المطموس، والمعاند بلا معرفة ولا فقه:

(أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)

فهم لا يدركون أو لا يريدون أن يدركوا أن الصلاة هي من مقتضيات العقيدة، ومن صور العبودية والدينونة، وأن العقيدة لا تقوم بغير توحيد الله، ونبذ ما يعبدون من دونه هم وآباؤهم، كما أنها لا تقوم إلا بتنفيذ شرائع الله في التجارة وفي تداول الأموال وفي كل شأن من شئون الحياة والتعامل. فهي لحمة واحدة لا يفترق فيها الاعتقاد عن الصلاة عن شرائع الحياة وعن أوضاع الحياة[1].

ثالثا. العقل يفرض على هؤلاء أن يأخذوا بما دعاهم إليه نبيهم:

وقد رد نبي الله شعيب عليهم

بقوله لهم:

(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)

(هود:88)

والمعنى: إن كنت على بينة من ربي فماذا يسعكم في تكذيبي؟ أو ماذا ينجيكم من عاقبة تكذيبي؟ وهو تحذير لهم على فرض احتمال أن يكون صادقا، فالحزم أن تأخذوا بهذا الاحتمال، والحزم أيضا أن تنظروا في كنه ما نهيتكم عنه لتعلموا أنه لصلاحكم وفائدتكم ونفعكم، وفيه سداد أمركم وجلب الخير والسعادة لكم، فإن ما نهيتكم عنه هو العدل والقسط بأن توفوا الناس حقوقهم مما يكال أو يوزن على ما وجب لهم من التمام بغير بخس ولا نقص، وما أنا برقيب عليكم ولكن الله عليكم رقيب وحفيظ في معاملاتكم وسائر أحوالكم، ثم بين لهم أيضا تعليل نهيه بأنه يراهم بخير وسعة ونعمة، وثروة واسعة في الرزق، فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده، ففي هذه النعمة ما يغنيكم عن أخذ أموال الناس بغير حق، ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى، وهي التذكير لهم بعذاب الآخرة، كما أن العلة الأولى فيها التذكير لهم بنعمة الدنيا،

وذلك قوله عز وجل:

(ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85)

(هود).

والمراد بالإيفاء في الكيل والميزان هو الإتمام والقسط والعدل، وهو عدم الزيادة والنقص وهذا يؤدي إلى أن يأخذ كل واحد حقه دون تعد ولا ظلم، وهذا مما تواطأت عليه العقول الرشيدة، وتوافقت عليه الفطر السليمة.

وفي قوله - عليه السلام - لهم:

(ورزقني منه رزقا حسنا)

(هود: 88)

إشارة إلى تعريفهم ما جهلوه، وتنبيههم إلى ما غفلوا عنه، وهو أن الله - عز وجل - هو الرازق، وما أموالهم التي ادعوا إضافتها لهم على وجه التملك الخاص ما هي إلا رزق الله، فالمال مال الله على الحقيقة، وهم مستخلفون عليه، فأبان بذلك مغالطتهم وخطأهم

في قولهم:

(أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)

(هود: ٨٧)

ولذلك قال لهم:

(وما أنا عليكم بحفيظ)

(هود:86)

إذ الله هو الحفيظ عليهم والمراقب لهم في أفعالهم وتصرفاتهم في أموالهم، فما ينبغي لهم أن يتصرفوا فيها إلا بالحق وبما يوافق مراد الله الذي وهبهم إياها.

الخلاصة:

·تحقيق العدل في الوزن والكيل يؤدي إلى أن يأخذ كل إنسان حقه دون تعد أو ظلم، أما بخس الناس حقوقهم فهو فساد في الأرض.

·العقل والمنطق يفرضان على هؤلاء أن يعقلوا ما أمرهم به نبيهم لاحتمال الصحة فيه، فإن ظهر الصلاح والفائدة والنفع لم يسؤهم ذلك، وإن ظهر الفساد عادوا إلى اعتقادهم.

·الله هو الرازق، والمال أمانة مستودعة عند الإنسان، ومن ثم يعاقب عليه إن أنفقه في غير موضعه، ويثاب عليه إن أنفقه في موضعه.

المراجع

  1. (*) الآية التي وردت فيها الشبهة: (هود/ 87). الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (هود/ 84: 88، الشعراء/ 181: 184). 
  2.  في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، مصر، ط13، 1407هـ/ 1987م، ج1، ص1918، 1919.