نص السؤال

إنكار إرسال رسول من البشر

المصدر: شبهات المشككين في الإسلام

الجواب التفصيلي

إنكار بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتعجب من إرسال رسول من البشر(*)

مضمون الشبهة:

أنكر مشركو قريش إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم رسولا، وحجتهم في ذلك أنه من البشر، كما اعترض كل الأقوام قبله على الرسل والأنبياء بأنهم بشر، لا فضيلة لهم عليهم في خلق ولا رزق ولا حال، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا!

قال تعالى:

(أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا)

(يونس: ٢)

وقال سبحانه وتعالى:

(قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين)

(إبراهيم:10)

وقال سبحانه وتعالى:

(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا)

(الإسراء:94).

وجها إبطال الشبهة:

1) من لطف الله بعباده، أن أرسل إليهم رسلا من البشر؛ إذ لو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس رؤيتهم ولحدثت النفرة منهم.

2) إرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكن والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا بشرا، فإن الله هو الذي اصطفاهم واختصهم بذلك.

التفصيل:

أولا. من لطف الله أن يرسل الرسل من جنس البشر؛ فلو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس ذلك:

يتحدث القرآن الكريم عن المشركين من أهل مكة، ورفضهم لنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بدعوى بشريته قائلا: أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق، أمرا عجبا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله عليه وسلم - حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية.

إن الذي يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه، لأن الله - عز وجل - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته[1].

وينبه الله - عز وجل - على لطفه ورحمته بعباده أنه بعث الرسل إلى الناس من جنسهم - ليفقهوا منه -، وليتمكنوا من مخاطبته ومكالمته،

ولذلك قال سبحانه وتعالى:

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم)

(آل عمران: 164)

وقال:

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم)

(التوبة: 128).

وقال:

(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)

(البقرة)

وقال - سبحانه وتعالى - أيضا:

(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم)

(الجمعة: 2).

فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن إرسال الله للرسل والأنبياء من جنس البشر والناس وليس من جنس آخر مختلف - لطف من الله ورحمة بعباده ونعمة منه تستحق الشكر، فكأنه يقول لهم: لما كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلا بشرا منكم لطفا منا ورحمة، وعلى هذا فما كان ينبغي منكم أن تتعجبوا من بعثة الرسل بشرا أو تستبعدوا أن تكون الرسالة في البشر وأن يكون هداكم على يد بشر مثلكم.

ويبين القرآن - أيضا - أن من الحكمة عدم إرسال رسول من جنس آخر غير المرسل إليهم، فلا يجوز أن يرسل رسول من الملائكة للبشر؛ لأنه لو بعث الله إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه؛

ولذا قال الله سبحانه وتعالى:

(قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)

(الإسراء:95)

أي أنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته؛ لأنه لو كان ملكا لأدى اختلاف الجنس إلى تنافر الطبع، وقد رد القرآن على اقتراحهم هذا في قولهم:

(وقالوا لولا أنزل عليه ملك)

(الأنعام: 8)

فقال:

(ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون)

(الأنعام: 8)

قال الحسن وقتادة: لأهلكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سننه بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله - عز وجل - في الحال: (ثم لا ينظرون) (الأنعام:8) أي لا يمهلون ولا يؤخرون، ولهذا كان لا بد من إرسال رسول من البشر،

فقال سبحانه وتعالى:

(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)

(الأنعام:9)

فهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله - عز وجل - الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به ولداخلهم من الرعب من كلامه، والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة، ولو نقله من صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به ويسكنوا إليه لقالوا: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، كما أعلمهم الله - عز وجل - أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس والخلط، وقد يقولون: هذا ساحر مثلك.

ثانيا. إرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكن والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا من البشر فإن الله قد اصطفاهم وخصهم بالرسالة:

من ردود القرآن أيضا على شبهة هؤلاء الأقوام المرسل إليهم أن هؤلاء الرسل وإن كانوا في الحقيقة بشرا مثل من أرسلوا إليهم؛ فإن الله - عز وجل - قد اصطفاهم دون الناس بالنبوة والتوفيق، والحكمة، والعلم، والمعرفة، والهداية، وبهذا رد الرسل على أقوامهم

فقالوا:

(قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)

(إبراهيم: 11)

أي يتفضل عليه بالنبوة والرسالة، وهذا امتحان من الله للناس بعضهم ببعض، فقد جعل هذا نبيا وخصه بالرسالة، وهذا ملكا وخصه بالدنيا، وهذا فقير وحرمه الدنيا ليختبر الفقير بصبره على ما حرم، والغني والملك بصبره على ما أعطي الرسول من الكرامة؛

ولذا قال سبحانه وتعالى:

(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا)

(الفرقان:20)

ومن ردود القرآن على المشركين أيضا حين أنكروا رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لكونه رسولا بشرا، أن الله ما أرسل إلى الأمم الماضية إلا رجالا آدميين، ويوجههم القرآن إلى أن يسألوا أهل الذكر من مؤمني أهل الكتاب فسوف يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا من البشر،

قال سبحانه وتعالى:

(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

(النحل:43)

كما يبين القرآن أن الله لم يجعل الرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب، وما كانوا خالدين لا يموتون،

فقال سبحانه وتعالى:

(وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)

(الأنبياء:8)

وقال أيضا:

(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)

(الفرقان:20).

فهذا جواب الله على قول المشركين:

(مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)

(الفرقان: 7)

حيث إنهم نقموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يأكل الطعام ويقف في الأسواق فعيروه بذلك؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا حيث رأوا الملوك والقياصرة والأكاسرة يترفعون عن الأسواق بينما كان - عليه السلام - يخالطهم في أسواقهم ويأمرهم وينهاهم، فأجاب الله - عز وجل - عن شبهتهم هذه وأبان لحبيبه - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس أكل الطعام والمشي في الأسواق عارا على منصب الأنبياء، وليس الحاجة إلى التغذي والتكسب والتجارة منافيا لحالهم، ولذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا - اختار أن يكون عبدا رسولا.

وينتهي القرآن من ذلك إلى إبطال حجة هؤلاء الأمم المكذبين؛ إذ ما من رسول إلا كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فليس محمد - صلى الله عليه وسلم - بدعا في ذلك من الرسل قبله.

الخلاصة:

·المناسب للعقل والمنطق والفطرة أن يأتي الرسل بشرا، لا ملائكة أما القول بحتمية كون الرسل من الملائكة، فهو جمود عقلي، وانطماس نفسي يحمل أصحابه على قلب الحقائق وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية.

·إرسال الله للرسل من البشر يؤدي إلى السكن والأنس والتآلف فضلا عن أنهم مصطفون من قبل المولى عز وجل، ولو كان الرسول من غير جنس قومه لما استطاع الناس تحمله ونفروا منه.

 

المراجع

  1. (*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (الإسراء/ 94، الأنعام/ 91، التغابن/ 6، يونس/ 2، إبراهيم/ 10، يس/ 15، ص/ 4، ق / 2). الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (الإسراء/ 95، 96، الأعراف/ 63، 69، النحل/ 43، إبراهيم/ 11، الأنبياء/ 7، 8، يوسف/ 109، الكهف/ 110، الفرقان/ 20، يس/ 16، 17).
  2.  التفسير الوسيط، د. محمد سيد طنطاوي، مطبعة الرسالة، القاهرة، ط3، 1987م، ج7، ص22.


الجواب التفصيلي

إنكار بشرية الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتعجب من إرسال رسول من البشر(*)

مضمون الشبهة:

أنكر مشركو قريش إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم رسولا، وحجتهم في ذلك أنه من البشر، كما اعترض كل الأقوام قبله على الرسل والأنبياء بأنهم بشر، لا فضيلة لهم عليهم في خلق ولا رزق ولا حال، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا!

قال تعالى:

(أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا)

(يونس: ٢)

وقال سبحانه وتعالى:

(قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين)

(إبراهيم:10)

وقال سبحانه وتعالى:

(وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا)

(الإسراء:94).

وجها إبطال الشبهة:

1) من لطف الله بعباده، أن أرسل إليهم رسلا من البشر؛ إذ لو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس رؤيتهم ولحدثت النفرة منهم.

2) إرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكن والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا بشرا، فإن الله هو الذي اصطفاهم واختصهم بذلك.

التفصيل:

أولا. من لطف الله أن يرسل الرسل من جنس البشر؛ فلو كانت الرسل من الملائكة ما أطاق الناس ذلك:

يتحدث القرآن الكريم عن المشركين من أهل مكة، ورفضهم لنبوة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بدعوى بشريته قائلا: أبلغ الجهل وسوء التفكير بمشركي مكة ومن على شاكلتهم، أن كان إيحاؤنا إلى رجل منهم يعرفهم ويعرفونه لكي يبلغهم الدين الحق، أمرا عجبا، يدعوهم إلى الدهشة والاستهزاء بالموحى إليه - صلى الله عليه وسلم - حتى لكأن النبوة في زعمهم تتنافى مع البشرية.

إن الذي يدعو إلى العجب حقا هو ما تعجبوا منه، لأن الله - عز وجل - اقتضت حكمته أن يجعل رسله إلى الناس من البشر، لأن كل جنس يأنس لجنسه، وينفر من غيره، وهو أعلم حيث يجعل رسالته[1].

وينبه الله - عز وجل - على لطفه ورحمته بعباده أنه بعث الرسل إلى الناس من جنسهم - ليفقهوا منه -، وليتمكنوا من مخاطبته ومكالمته،

ولذلك قال سبحانه وتعالى:

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم)

(آل عمران: 164)

وقال:

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم)

(التوبة: 128).

وقال:

(كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (152)

(البقرة)

وقال - سبحانه وتعالى - أيضا:

(هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم)

(الجمعة: 2).

فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن إرسال الله للرسل والأنبياء من جنس البشر والناس وليس من جنس آخر مختلف - لطف من الله ورحمة بعباده ونعمة منه تستحق الشكر، فكأنه يقول لهم: لما كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلا بشرا منكم لطفا منا ورحمة، وعلى هذا فما كان ينبغي منكم أن تتعجبوا من بعثة الرسل بشرا أو تستبعدوا أن تكون الرسالة في البشر وأن يكون هداكم على يد بشر مثلكم.

ويبين القرآن - أيضا - أن من الحكمة عدم إرسال رسول من جنس آخر غير المرسل إليهم، فلا يجوز أن يرسل رسول من الملائكة للبشر؛ لأنه لو بعث الله إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه؛

ولذا قال الله سبحانه وتعالى:

(قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)

(الإسراء:95)

أي أنه لو أرسل ملكا إلى الآدميين لم يقدروا أن يروه على الهيئة التي خلق عليها، قال ابن عباس: لو رأوا الملك على صورته لماتوا إذ لا يطيقون رؤيته؛ لأنه لو كان ملكا لأدى اختلاف الجنس إلى تنافر الطبع، وقد رد القرآن على اقتراحهم هذا في قولهم:

(وقالوا لولا أنزل عليه ملك)

(الأنعام: 8)

فقال:

(ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون)

(الأنعام: 8)

قال الحسن وقتادة: لأهلكوا بعذاب الاستئصال؛ لأن الله أجرى سننه بأن من طلب آية فأظهرت له فلم يؤمن أهلكه الله - عز وجل - في الحال: (ثم لا ينظرون) (الأنعام:8) أي لا يمهلون ولا يؤخرون، ولهذا كان لا بد من إرسال رسول من البشر،

فقال سبحانه وتعالى:

(ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)

(الأنعام:9)

فهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة؛ لأن كل جنس يأنس بجنسه، وينفر من غير جنسه، فلو جعل الله - عز وجل - الرسول إلى البشر ملكا لنفروا من مقاربته، ولما أنسوا به ولداخلهم من الرعب من كلامه، والاتقاء له ما يكفهم عن كلامه ويمنعهم عن سؤاله فلا تعم المصلحة، ولو نقله من صورة الملائكة إلى مثل صورتهم ليأنسوا به ويسكنوا إليه لقالوا: لست ملكا وإنما أنت بشر فلا نؤمن بك، كما أعلمهم الله - عز وجل - أنه لو أنزل ملكا في صورة رجل لوجدوا سبيلا إلى اللبس والخلط، وقد يقولون: هذا ساحر مثلك.

ثانيا. إرسال رسول من البشر يؤدي إلى السكن والأنس وتآلف الطباع، وهم وإن كانوا من البشر فإن الله قد اصطفاهم وخصهم بالرسالة:

من ردود القرآن أيضا على شبهة هؤلاء الأقوام المرسل إليهم أن هؤلاء الرسل وإن كانوا في الحقيقة بشرا مثل من أرسلوا إليهم؛ فإن الله - عز وجل - قد اصطفاهم دون الناس بالنبوة والتوفيق، والحكمة، والعلم، والمعرفة، والهداية، وبهذا رد الرسل على أقوامهم

فقالوا:

(قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)

(إبراهيم: 11)

أي يتفضل عليه بالنبوة والرسالة، وهذا امتحان من الله للناس بعضهم ببعض، فقد جعل هذا نبيا وخصه بالرسالة، وهذا ملكا وخصه بالدنيا، وهذا فقير وحرمه الدنيا ليختبر الفقير بصبره على ما حرم، والغني والملك بصبره على ما أعطي الرسول من الكرامة؛

ولذا قال سبحانه وتعالى:

(وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا)

(الفرقان:20)

ومن ردود القرآن على المشركين أيضا حين أنكروا رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - لكونه رسولا بشرا، أن الله ما أرسل إلى الأمم الماضية إلا رجالا آدميين، ويوجههم القرآن إلى أن يسألوا أهل الذكر من مؤمني أهل الكتاب فسوف يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا من البشر،

قال سبحانه وتعالى:

(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)

(النحل:43)

كما يبين القرآن أن الله لم يجعل الرسل قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - خارجين عن طباع البشر لا يحتاجون إلى طعام وشراب، وما كانوا خالدين لا يموتون،

فقال سبحانه وتعالى:

(وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين)

(الأنبياء:8)

وقال أيضا:

(وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق)

(الفرقان:20).

فهذا جواب الله على قول المشركين:

(مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)

(الفرقان: 7)

حيث إنهم نقموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه يأكل الطعام ويقف في الأسواق فعيروه بذلك؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا حيث رأوا الملوك والقياصرة والأكاسرة يترفعون عن الأسواق بينما كان - عليه السلام - يخالطهم في أسواقهم ويأمرهم وينهاهم، فأجاب الله - عز وجل - عن شبهتهم هذه وأبان لحبيبه - صلى الله عليه وسلم - أنه ليس أكل الطعام والمشي في الأسواق عارا على منصب الأنبياء، وليس الحاجة إلى التغذي والتكسب والتجارة منافيا لحالهم، ولذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلمـ بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا - اختار أن يكون عبدا رسولا.

وينتهي القرآن من ذلك إلى إبطال حجة هؤلاء الأمم المكذبين؛ إذ ما من رسول إلا كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فليس محمد - صلى الله عليه وسلم - بدعا في ذلك من الرسل قبله.

الخلاصة:

·المناسب للعقل والمنطق والفطرة أن يأتي الرسل بشرا، لا ملائكة أما القول بحتمية كون الرسل من الملائكة، فهو جمود عقلي، وانطماس نفسي يحمل أصحابه على قلب الحقائق وإيثار طريق الضلالة على طريق الهداية.

·إرسال الله للرسل من البشر يؤدي إلى السكن والأنس والتآلف فضلا عن أنهم مصطفون من قبل المولى عز وجل، ولو كان الرسول من غير جنس قومه لما استطاع الناس تحمله ونفروا منه.

 

المراجع

  1. (*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (الإسراء/ 94، الأنعام/ 91، التغابن/ 6، يونس/ 2، إبراهيم/ 10، يس/ 15، ص/ 4، ق / 2). الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (الإسراء/ 95، 96، الأعراف/ 63، 69، النحل/ 43، إبراهيم/ 11، الأنبياء/ 7، 8، يوسف/ 109، الكهف/ 110، الفرقان/ 20، يس/ 16، 17).
  2.  التفسير الوسيط، د. محمد سيد طنطاوي، مطبعة الرسالة، القاهرة، ط3، 1987م، ج7، ص22.