نص السؤال

إنكار تكلم المسيح - عليه السلام - في المهد

عبارات مشابهة للسؤال

الإنسانُ لا يكونُ حُرًّا إلا إذا أنكَرَ وجودَ الله؛ فإنه ما دام يُثبِتُ وجودَ اللهِ، فلا بُدَّ مِن اتِّباعِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه.

الجواب التفصيلي

إنكار تكلم المسيح - عليه السلام - في المهد (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن القرآن الكريم يناقض التاريخ والكتب المقدسة، ويستدلون على ذلك

بقوله سبحانه وتعالى:

(ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين)

(آل عمران:46)

حيث يذكر أن عيسى - عليه السلام - تكلم في المهد، وهو يخالف ما جاء في الكتاب المقدس والتاريخ.

وجوه إبطال الشبهة:

1) إن ذكر الكتاب المقدس لتحدث المسيح - عليه السلام - في المهد أو ما يدل على هذا التحدث يقطع الألسنة المشككة في الخبر لا سيما من المسيحيين.

2) كيف يقرون بأنه ولد ولادة غير طبيعية من أم فقط دون أب، ثم ينفون عنه أنه تكلم في المهد، فكيف يثبتون له الخارق، وينفون ما هو أقل من ذلك؟

3)  كان كلامه - عليه السلام - في المهد تبرئة لأمه ودرءا لتهمة الزنا عنها.

التفصيل:

أولا. في الكتاب المقدس ما يدل على تحدث المسيح - عليه السلام - في المهد:

إن القرآن الكريم لا يناقض التاريخ والكتب المقدسة في مسألة كلام عيسى - عليه السلام - في المهد، ففي كتابهم المقدس ما يدل على ذلك، حيث وردت هذه القصة عند لوقا ونسبت إلى زكريا: "وأما أليصابات فتم زمانها لتلد، فولدت ابنا. وسمع جيرانها وأقرباؤها أن الرب عظم رحمته لها، ففرحوا معها. وفي اليوم الثامن جاءوا ليختنوا الصبي، وسموه باسم أبيه زكريا. فأجابت أمه وقالت:«لا! بل يسمى يوحنا». فقالوا لها:«ليس أحد في عشيرتك تسمى بهذا الاسم». ثم أومأوا إلى أبيه، ماذا يريد أن يسمي. فطلب لوحا وكتب قائلا: «اسمه يوحنا». فتعجب الجميع. وفي الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم وبارك الله. فوقع خوف على كل جيرانهم. وتحدث بهذه الأمور جميعها في كل جبال اليهودية، فأودعها جميع السامعين في قلوبهم قائلين:«أترى ماذا يكون هذا الصبي؟» وكانت يد الرب معه". (لوقا 1: 57 - 66).

فلو دققنا في هذه القصة التي تحكي عن صيام زكريا، ثم تكلمه، ثم تعجب السامعين من تكلمه لتعجبت أنت أيضا. فهل لو أنا امتنعت عن الكلام، ثم تكلمت، فهل سيسبب هذا خوف السامعين أو شعورهم بمعجزة تستحق تسبيح الله؟ وهل لو تكلم الصائم يكون حديث البلدة كلها؟ لا، إن هذه الحادثة حدثت مع عيسى - عليه السلام - حيث تكلم في المهد؛ مبرئا أمه، ومعلنا أنه عبد الله ورسوله، والدليل على ذلك أن السامعين تعجبوا قائلين: "أترى ماذا يكون هذا الصبي؟ وكانت يد الرب معه"، إذن فقد كان التعجب من عمل قام به الصبي.

وإلا أخبرني كيف برأت مريم نفسها من تهمة الزنا؟ فتبعا للتوراة فإن ابنة الكاهن إذا زنت تحرق حية، وبما أن اليهود لم يحرقوها فلا بد أن تكون قد أتت بدليل براءتها: "إذا تدنست ابنة كاهن بالزنا فقد دنست أباها. بالنار تحرق". (اللاويين 21: 9).

وحتى يطمئن قلبك إلى صدق هذه المعلومة؛ فإن إنجيل الطفولة - وهو أحد الأناجيل الذي ترفضه الكنيسة - يحكي أن عيسى - عليه السلام - قد تكلم في المهد[1].

وهذا هو كتابكم يذكر أن عيسى - عليه السلام - قد تكلم في المهد، فلماذا التكذيب إذن؟ ومحاولة رفضه حتى في كتابكم؟ فمرة ترفضون إنجيل الطفولة، ومرة تحاولون لي عنق النص عند لوقا حتى يتفق مع هواكم، وإلا فما قولكم في كتابكم الذي تؤمنون به؟! هل ستكفرون بهذه الفقرة أو تلك حتى تخرجوا من هذا المأزق؟!

ثانيا. كيف ينكرون كلامه في المهد مع أنهم يقرون بأنه ولد ولادة غير طبيعية، وبأنه ولد من غير أب، أليس الذي خلقه الله من غير أب قادرا على أن ينطقه في المهد؟!

كيف تثبتون له الأعلى وتنفون عنه الأدنى؟! لا يأتي هذا التفكير إلا من عقول جاهلة بحقيقة الأمور، وقلوب تعمل على الكفر بكل ما جاء به القرآن الكريم، ثم إنهم غالوا وشطحوا حتى أثبتوا له أشياء عظيمة جدا وصدقوا أنفسهم فيها، وفي بداية الأمر لا يستطيعون تصديق أنه - عليه السلام - تكلم في المهد، فلماذا لا يتكلم نبي في المهد ليدافع عن نفسه، وعن أمه، كرامة من الله - عز وجل - له في حين أننا نرى كل يوم ونسمع عن أطفال عاديين ليسوا بأنبياء، ولكن الله حباهم بأشياء عظام، فهذا طفل في سن الخامسة، ولكن الله حباه ذاكرة يحملها رجل أعيته المذاكرة وأضناه العمل في هذا المجال، ونحن نصدق هذا الأمر ونراه، فلماذا نكذب كون عيسى - عليه السلام - تكلم في المهد ليبرئ نفسه وأمه أمام مجتمعه؟

ومما يؤكد هذا أن جماعة من النصارى سألوا الإمام عليا - رضي الله عنه - فقالوا له: إن من كرامات نبينا عيسى - عليه السلام - أنه نطق في المهد.. فهل نطق نبيكم وهو في المهد؟ فقال علي رضي الله عنه: "إن نبيكم عيسى - عليه السلام - كان في حاجة إلى النطق في المهد، لأنه ولد ولادة غير عادية من غير أب فخاف من التهمة، فأنطقه الله معجزة له من أجل نبوته ورسالته، ليدرأ التهمة عن نفسه وعن أمه أمام مجتمعه والأجيال القادمة.. أما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان في غير حاجة إلى النطق وقت ولادته؛ لأنه ولد ولادة طبيعية من أم وأب معروفين"[2].

إذن، كانت العلة من نطق عيسى - عليه السلام - ضرورية وملحة؛ حتى يبرئ نفسه وأمه مما قد يلحق بهما من صفات لا تليق بهما. هذا وقد جاء الحديث الشريف ليؤكد هذا الكلام، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - رضي الله عنه - قال: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج...».[3] وقد قال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة فرعون، وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الجيار، ولم يذكر صاحب الأخدود، وبه يكون المتكلمون سبعة[4].

ثالثا. كان كلامه - عليه السلام - في المهد، تبرئة لأمه ودرءا لتهمة الزنا عنها:

وإذا حققنا النظر في الذين تكلموا في المهد نجد أنهم قد تكلموا جميعا لعلل ضرورية لا يمكن السكوت عنها، وإذا تم السكوت عنها فإنها تجلب مفاسد عظيمة، وهذا هو السبب الحقيقي لنطق عيسى - عليه السلام - في المهد. فعلام ينكرون كلامه في المهد وقد حدث منهم ما كان يخشاه ويخافه؟!

وقد وضح القرآن الكريم مقالة هؤلاء السفهاء، ورد عليها ردا مقنعا؛

كما جاء على لسان سيدنا عيسى عليه السلام:

(قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31)

(مريم)

هذا أول كلام تفوه به عيسى - عليه السلام - فكان أول ما تكلم به أن اعترف لربه بالعبودية، وأن الله ربه، فنزه جناب الله عن قول الظالمين في زعمهم أنه ابن الله، بل هو عبده ورسوله وابن أمته، ثم برأ أمه مما نسبه إليها الجاهلون وقذفوها به ورموها بسببه

بقوله سبحانه وتعالى:

(آتاني الكتاب وجعلني نبيا)

(مريم: 30).

فإن الله لا يعطي النبوة من هو كما زعموا لعنهم الله وقبحهم، كما قال سبحانه وتعالى:

(وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما)

(النساء:156)

ذلك أن طائفة من اليهود في ذلك الزمان قالوا: إنها حملت به من زنا في زمن الحيض، لعنهم الله فبرأها الله من ذلك، وأخبر أنها صديقة، واتخذ ولدها نبيا مرسلا أحد أولي العزم من الرسل؛ ولهذا

قال:

(وجعلني مباركا أين ما كنت)

وذلك أنه حيث كان دعا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونزه جنابه عن النقص والعيب من اتخاذ الولد والصاحبة[5].

وهكذا كان حديث عيسى - عليه السلام - إليهم في المهد يرد على افتراءاتهم ومزاعمهم التي رموا بها أمه الصديقة، وإلا كيف تنجو مريم من هذه التهمة؟! وكيف يثبت عيسى - عليه السلام - بشريته وعبادته لله الواحد القهار، وأنه نبي مرسل من عند الله - سبحانه وتعالى - جاء ليدعو الناس إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى؟!

وليخبرنا المنكرون الحاقدون كيف نجت مريم؟ وكيف أسكتت المجتمع عنها، وعن ولدها؟ وكيف أفلتت من الحرق لما علم أن ابنة الكاهن إذا زنت تحرق حية، كما ورد في التوراة: "وإذا تدنست ابنة كاهن بالزنا، فقد دنست أباها، بالنار تحرق". (اللاويين 21: 9)، فكيف برأت نفسها؟

فإنك لو دققت النظر لعلمت أنه لا بد لهذا الولد من معجزة تنجيه وأمه، وكرامة تنفي عنه وعن أمه هذه التهمة، وكانت هذه الكرامة هي كلام المسيح - عليه السلام - في المهد.

الخلاصة:

· اشتمل الكتاب المقدس على نصوص دالة على صدق القرآن فيما أخبر به من كلام عيسى - عليه السلام - في المهد، فرغم تحريفهم لهذه الواقعة وتوجيهها إلى زكريا - عليه السلام - فإنها لا تصدق إلا على عيسى - عليه السلام - لأنه أول من تكلم في المهد.

· إن أصحاب الكتاب المقدس يقرون بولادة عيسى - عليه السلام - بدون أب، وينكرون كلامه في المهد. ألا يدل ذلك على شدة جهلهم وتزييفهم للحقائق؛ لأن ميلاده بدون أب معجزة أكبر من كلامه في المهد، حيث تكلم في المهد كثيرون؟!

·كان كلام عيسى - عليه السلام - في المهد معجزة جعلها الله - سبحانه وتعالى - ليبرئ نفسه وأمه أمام الجميع من التهم التي قد تلحق بهما، وقد حدث ما يخشاه فرموا أمه بالزنا، وجعلوه إلها وابن إله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فكان كلامه لعلة واضحة هي تبرئة أمه مما رموها به من الزنا، وإثبات بشريته وعبوديته لله عز وجل.

المراجع

  1. (*) موقع ابن مريم. www.ebnMarayam.com [1]. عيسى ليس المسيح الذي تفسيره المسيا، علاء أبو بكر، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1426 هـ/ 2006م، ص132، 133.
  2. حياة وأخلاق الأنبياء، د. أحمد الصباحي عوض الله، مكتبة مدبولي، القاهرة، دار اقرأ، بيروت، ط1، 1403هـ/ 1983م، ص287 بتصرف.
  3. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب ) واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ( (مريم:١٦) (3253)، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها (6673)، واللفظ لمسلم. 
  4. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج4، ص91 بتصرف. 
  5.  قصص الأنبياء، ابن كثير، تحقيق: محمد بن الملك الزغبي، دار المنار، القاهرة، 1421هـ/ 2001م، ص426.