نص السؤال

اتهام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحر

عبارات مشابهة للسؤال

الإنسانُ لا يكونُ حُرًّا إلا إذا أنكَرَ وجودَ الله؛ فإنه ما دام يُثبِتُ وجودَ اللهِ، فلا بُدَّ مِن اتِّباعِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه.

الجواب التفصيلي

اتهام النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه ساحر (*)

مضمون الشبهة:

اتهم المشركون الرسول - صلى الله عليه وسلم - تارة بأنه ساحر،

قال سبحانه وتعالى:

(قال الكافرون إن هذا لساحر مبين)

(يونس:2)

مبين ظاهر السحر، وتارة بأنه رجل مسحور:

(وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا)

(الفرقان:8)

ويرمون الحجج الظاهرة التي أتى بها - مثل انشقاق القمر - بأنها سحر مستمر،

قال سبحانه وتعالى:

(وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر)

(القمر:2)

وجوه إبطال الشبهة:

1)  تخبط المشركين وضلالهم وتضارب آرائهم في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسقط اتهامهم.

2)  هذه تهمة يلقيها كل المكذبين لرسلهم كأنهم تواصوا بها.

3) حقيقة السحر وبطلان كون محمد - صلى الله عليه وسلم - ساحرا، وانشقاق القمر معجزة ثابتة متواترة وليست سحرا، لكن كفر بها المشركون عنادا أو استكبارا.

التفصيل:

أولا. تخبط المشركين وضلالهم يسقط اتهامهم:

هذه تهمة طالما قذف بها المكذبون المعاندون الرسول صلى الله عليه وسلم، فتارة يقولون عنه: إنه ساحر،

قال سبحانه وتعالى:

(قال الكافرون إن هذا لساحر مبين)

(يونس:2)

وقال سبحانه وتعالى:

(وقال الكافرون هذا ساحر كذاب)

(ص:4)

وكذلك يرمون ما جاء به من آيات الله - عز وجل - بأنها سحر ظاهر،

قال سبحانه وتعالى:

(وقالوا إن هذا إلا سحر مبين)

(الصافات:15)

وقال سبحانه وتعالى:

(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين)

(الأحقاف:7)

وتارة يتهمون الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه بأنه مسحور، وذلك بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه،

قال سبحانه وتعالى:

(نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا)

(الإسراء:47)

وقال سبحانه وتعالى:

(وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا)

(الفرقان:8)

ومنهم من قال: إنه شاعر، ومنهم من قال: كاهن،

قال سبحانه وتعالى:

(بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر)

(الأنبياء: ٥)

لذلك رد عليهم القرآن:

(وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42)

(الحاقة)

ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر أو مسحور أو كذاب، ومن هذا أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قولكم بعضه بعضا، فقالوا: وأنت يا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به، قال: بل أنتم قولوا لأسمع، قالوا: نقول: كاهن؟ قال: ما هو بكاهن، قالوا: فنقول: مجنون؟ قال: ما هو بمجنون، قالوا: فنقول: شاعر: قال: ما هو بشاعر. قالوا: فنقول: ساحر؟ قال: ما هو بساحر. قالوا: فماذا نقول؟ قال: والله إن لقوله حلاوة، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل، ثم إنه فكر وتروي وقدر ماذا يقول في القرآن وأعاد النظر والتروي ثم قبض بين عينيه وقطب وصرف عن الحق واستكبر عن الانقياد إلى القرآن، ثم قال: أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر، فأنزل الله فيه:

(إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24)

(المدثر)

وقال الله في شأن هؤلاء أيضا:

(الذين جعلوا القرآن عضين)

(الحجر:91)

أي: سحر.

وقد رد القرآن على هذه التهم بأن ذلك تخبط منهم وضلال وعدم اهتداء، ولو كانوا صادقين لاتفقوا فيه على قول واحد، أما وقد تعددت أقوالهم وتضاربت آراؤهم فهم إذا متخبطون ضالون يضربون له الأمثال، ولا يهتدون إلى الحق ولا يجدون إليه مخلصا؛ لأن هذه الأقوال فيها من البطلان الواضح لكل من له أدنى فهم وعقل،

قال سبحانه وتعالى:

(انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا)

(الإسراء:48)

والمعنى: أن أقوالهم المتضاربة السابقة كلها باطلة، فكل أحد يعرف كذبهم وافتراءهم؛ لأنهم ضالون عن طريق الهدى فلا يجدون سبيلا؛ لأن الحق واضح ومنهجه متحد يصدق بعضه بعضا.

ثانيا. اتهام الرسل بالسحر من كل الأمم المكذبة:

كما يبين القرآن أن رمى الرسول بالسحر هي دعوى كل الأمم المكذبة لرسلها فما من رسول أتى قومه بالهدى إلا قالوا له: ما أنت إلا ساحر أو مجنون،

قال سبحانه وتعالى:

(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون)

(الذاريات:52)

ولذا يتهكم القرآن على ذلك،

فيقول سبحانه وتعالى:

(أتواصوا به بل هم قوم طاغون)

أي: هل أوصى بعضهم بعضا، أو أولهم آخرهم بهذه المقالة وبتكذيب الرسل فتواطئوا على هذا! والحق الذي لا مرية فيه أنه ما أوصى بعضهم بعضا بل هم قوم طغاة جمعهم الطغيان تشابهت قلوبهم فقال متأخرهم كما قال متقدمهم.

ويعلق صاحب "التفسير الوسيط" على هذا الآية بقوله: أي: الأمر - أيها الرسول الكريم - كما نخبرك، من أنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا إلا قالوا له - كما قال قومك في شأنك -: ساحر أو مجنون. والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من مشركي قريش، حيث بين له - عز وجل - أن الرسل السابقين قد كذبتهم أممهم، فصبروا حتى أتاهم نصره عز وجل.

ثم أضاف - عز وجل - إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال: (أتواصوا به)؟ والضمير المجرور يعود إلى القول المذكور، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم؛ أي: أوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم: أنت - أيها الرسول - ساحر أو مجنون؟ وقوله سبحانه وتعالى: (بل هم قوم طاغون) (الذاريات:53) إضراب عن تواصيهم إضراب إبطال؛ لأنهم لم يجمعهم زمان واحد حتى يوصي بعضهم بعضا، وإنما الذي جمعهم تشابه القلوب، والالتقاء على الكفر والفسوق والعصيان.

ثم تسلية ثالثة نراها في قوله سبحانه وتعالى: (فتول عنهم) (الذاريات: 54) أي: فأعرض عنهم وعن جدالهم، وسر في طريقك الذي رسمه الحكيم الخبير لك.

 )فما أنت( أيها الرسول الكريم )بملوم( على الإعراض عنهم، وما أنت بمعاتب منا على ترك مجادلتهم. (وذكرفإن الذكرى تنفع المؤمنين) (الذاريات:55) أي: أعرض عن هؤلاء المشركين، وداوم على التذكير والتبشير والإنذار مهما تقول المتقولون، فإن التذكير بما أوحيناه إليك من هدايات سامية، وآداب حكيمة... ينفع المؤمنين، ولا ينفع غيرهم من الجاحدين[1].

ثالثا. اختلاف القرآن عن السحر، وشق القمر معجزة النبي:

وقد بينا قبل ذلك عند الحديث عن شبهة اتهام القرآن بأنه سحر، بأن قول المشركين: القرآن سحر أتى به ساحر، يشير إلى إثبات رسالته - صلى الله عليه وسلم - فإن هذه المقالة تتضمن اعترافهم بأنه فوق المعهود والمعلوم للبشر في عالم الأسباب المقدورة لهم، إذ السحر ما كان بأسباب خفية خاصة ببعض الناس يتعلمها بعضهم من بعض، ولو كان القرآن سحرا لأتوا بمثله أو ببعض سوره كما تحداهم الله - عز وجل - لكنهم عجزوا، فدل ذلك على أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نبي الله ورسوله، وليس بساحر، وأن ما جاء به وحي من عند الله - عز وجل - ليس بسحر.

وأما انشقاق القمر فهو معجزة ثابتة باهرة وقعت في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة المتواترة بالأسانيد الصحيحة، حين سأل أهل مكة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم القمر شقين حتى رأوا حراء بينهما، وقال صلى الله عليه وسلم: "اشهدوا" فقالوا: سحرنا محمد. وهذا من عنادهم وتكذيبهم بعد رؤية الآيات الواضحات ومشاهدة المعجزات الحسيات البينات،

قال سبحانه وتعالى:

(وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر (3)

(القمر).

وهكذا لا تغني النذر والآيات عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه،

قال سبحانه وتعالى:

(حكمة بالغة فما تغن النذر)

(القمر:5)

وقال - سبحانه وتعالى - أيضا:

(وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)

(يونس:101)

الخلاصة:

·إن تضارب أقوال المكذبين للرسل واختلاف اتهامهم تبين مدى الضلال والتيه الذي هم فيه يعمهون.

·اتهام الرسل بالسحر هي دعوى كل الأمم المكذبة، وتوافقهم على هذا الأمر رغم اختلاف الزمان والمكان هو ناتج عن تشابه قلوبهم والتقائهم على الكفر والفسوق والعصيان.

·السحر صناعة يمكن للبشر تعلمها فهل يستطيع أحد أن يأتي بمثل القرآن؟ مهما تعلم كل العلوم والمعارف اللغوية والاجتماعية والسياسية والعلوم المادية وغيرها.

·لو كان المكذبون يطلبون الخوارق من أجل الإيمان؛ لآمنوا حين أجيبوا لطلبهم وشق القمر أمامهم نصفين حتى رأوا حراء بينهما، ولكنه الاستهزاء والجحود والكفر والعناد والطغيان الذي لا حد له.


المراجع

  1. (*) الآيات التي وردت فيها الشبهة: (يونس/ 2، ص/ 4، الإسراء/ 47، القمر/ 2، الفرقان/ 8، الذاريات/ 52).
  2.  الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (الإسراء/ 48، الفرقان/ 9، الذاريات/ 53). 
  3.  تفسير الوسيط، د. محمد سيد طنطاوي، مطبعة الرسالة، القاهرة، ط3، 1987م، ج14، ص32، 33.