نص السؤال

ادعاء أن أنواع النسخ في القرآن فيها من الاضطرابات ما ينفي وقوعها أصلًا

المؤلف: مجموعة مؤلفي بيان الإسلام

المصدر: موسوعة بيان الإسلام

الجواب التفصيلي

ادعاء أن أنواع النسخ في القرآن فيها من الاضطرابات ما ينفي وقوعها أصلا (*)


مضمون الشبهة: 


يدعي بعض المتوهمين وقوع الاضطراب وعدم الانضباط في أنواع النسخ الثلاثة في القرآن، ومن هنا يثيرون التساؤلات حولها، حائكين حول الثلاثة أنواع كثيرا من الشبهات، ومن ثم يقولون: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم، ولذا لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فكيف يكون هناك نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم؟ ويقولون: إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي، وهذا لا يكون في حق الله، كما يقولون: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وهذا توريط وتلبيس على العبد. 
ثم يكملون هذه السلسلة بقولهم: إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر ذلك بارتفاع الحكم، وهذا بدوره ملبس على المكلف، ويؤدي إلى توريطه في اعتقاد فاسد. ثم يحكمون هذه السلسلة من الأقوال الملبسة المشككة بقولهم: إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم؛ لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة. 
ويرمون من وراء هذه المطاعن جميعها وهذه التساؤلات إلى وصم التشريع بالعبث وإنكار وقوع النسخ في القرآن، للتوصل إلى التشكيك في سلامة القرآن وتمامه وعصمته.


وجها إبطال الشبهة: 


1) النسخ واقع في القرآن بأنواعه الثلاث، وقد أجمع جمهور المسلمين على ذلك لتوافر الأدلة والروايات الصحيحة على وقوعها جميعا، أما ما حاكه المدعون من أقوال وتساؤلات بغرض التشكيك فهي مردودة بأدلة عقلية ونقلية.
2) للنسخ في القرآن الكريم حكم ومقاصد عامة فضلا عن الحكم والمقاصد المنوطة بنوع بعينه من أنواع النسخ، وعدم العلم بهذه الحكم لا ينفي وجود النسخ؛ إذ ليس الجهل بالشيء دليلا على عدمه.


التفصيل: 


أولا. النسخ في القرآن واقع بأنواعه الثلاث: 


النسخ هو وقف العمل بحكم شرعي أفاده نص شرعي سابق من القرآن أو من السنة، وإحلال حكم آخر محله، أفاده نص شرعي آخر لاحق من الكتاب أو السنة؛ لحكمة قصدها الشرع، مع صحة العمل بحكم النص السابق قبل ورود النص اللاحق. 
ولا ريب أن المنطق السليم والعقل حاكمان بوقوع النسخ في القرآن الكريم؛ ذلك لأن المنطق السليم يقرر جواز وقوع النسخ عقلا؛ لأنه لا يترتب على وقوعه محال، والجواز العقلي يكفيه هذا، وقد أتينا على ذكر ذلك في مواضع سابقة.
أما عن أنواع النسخ في القرآن، فإن الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني تحدث عنها في كتابه "مناهل العرفان" فقال: 
النسخ الواقع في القرآن أنواع ثلاثة: 
•        نسخ التلاوة والحكم معا.
•        نسخ الحكم دون التلاوة.
•        نسخ التلاوة دون الحكم.


أما نسخ الحكم والتلاوة جميعا، فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدل على وقوعه سمعا 

ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:

«كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن»

.( [1])

وإذا كان موقوفا على عائشة - رضي الله عنها - فإن له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، بل لا بد فيه من توقف جملة: "عشر رضعات معلومات يحرمن"، ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى، وليس العمل بما تفيده من الحكم باقيا، وبذلك يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعا، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه؛ لأن الوقوع أول دليل على الجواز، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعا.


وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فيدل على وقوعه آيات كثيرة، منها: أن آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -

وهي قوله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة)

(المجادلة: 12)

، منسوخة بقوله سبحانه وتعالى:

(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13))

(المجادلة)،

على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية، مع أن تلاوة كلتيهما باقية.

ومنها أن قوله سبحانه وتعالى:

(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)

(البقرة: 184)،

منسوخ بقوله سبحانه وتعالى:

(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)

(البقرة: 185)،

على معنى أن حكم هذه منسوخ بحكم تلك، مع بقاء التلاوة في كلتيهما كما ترى.
وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فيدل على وقوعه ما صح عن أبي بن كعب أنه قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر»( [2]).
وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى، ثبت جوازهما؛ لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز، كما هو مقرر، وبذلك بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة شذ عن الجماعة، فزعم أن هذين النوعين مستحيلان عقلا.


ويمكنك أن تفحم هذا الفريق من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين، فتقول: إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها وجواز الصلاة بها وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها - شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما، في أن كلا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم، وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع، وقد تقتضي نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض، وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما، ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكما، ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة، وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه هذا الفريق من الاستحالة العقلية للنوعين الآخرين.


وبعد أن ذكر ثلاثة الأنواع، أجاب عن شبهات المنكرين المانعين، وهو يعرضها واحدة واحدة؛ ليرفع الغشاوة عن أعين المتوهمين.


الشبهة الأولى ودفعها: 


يقولون: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم، فلا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر.
والجواب: أن التلازم بين الآية وحكمها مشروط فيه انتفاء المعارض وهو الناسخ، أما إذا وجد الناسخ فلا تلازم، والأمر حينئذ للشارع الحكيم، إن شاء رفع الحكم وأبقى على التلاوة، وإن شاء عكس، وإن شاء رفعهما معا، على حسب ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة، ونظير ذلك، أن التلازم بين منطوق اللفظ ومفهومه مشروط فيه انتفاء المعارض، أما إذا وجد منطوق معارض للمفهوم، فإن المفهوم حينئذ يعطل، ويبقى العمل بالمنطوق وحده.


الشبهة الثانية ودفعها: 


يقولون: إن نسخ الحكم دون التلاوة، يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة، وهذا عيب لا يرضى به عاقل لأقل نوع من كلامه، فكيف يرضى به الله لكلامه؟
والجواب: أنا لا نسلم بهذا اللزوم، بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها، تبقى مفيدة للإعجاز، وتبقى عبادة للناس، وتبقى تذكيرا بعناية الله ورحمته بعباده، إذ قد سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة من الأحكام، يضاف إلى ذلك أن الآية بعد نسخ حكمها لا تخلو غالبا من دعوة إلى عقيدة، أو إرشاد إلى فضيلة، أو ترغيب في خير، ومثل ذلك لاينسخ بنسخ الحكم، بل تبقى الآية مفيدة له؛ لأن النسخ لا يتعلق به.


الشبهة الثالثة ودفعها: 


يقولون: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم، يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وذلك تلبيس وتوريط للعبد في اعتقاد فاسد، ومحال على الله أن يشكك أو يورط عبده.
والجواب: أن ذلك التلبيس وهذا التوريط، كان يصح به ادعاؤهما واستلزام نسخ الحكم دون التلاوة لهما، لو لم ينصب الله دليلا على النسخ، أما وقد نصب عليه الدلائل، فلا عذر لجاهل ولا محل لتوريط ولا تلبيس؛ لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه، هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه،

(قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149))

(الأنعام).


الشبهة الرابعة ودفعها: 


يقولون: إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم، وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف، والتوريط له في اعتقاد فاسد.
وندفع هذه الشبهة: بأن تلك اللوازم الباطلة تحصل لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة، وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها، وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره كما في رجم الزناة المحصنين، فلا تلبيس من الشارع على عبده ولا توريط( [3]).


ثانيا. للنسخ في القرآن حكم ومقاصد: 


إذا كان الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله - سبحانه وتعالى - وتسليم النفس والأمر إليه بالسمع والطاعة في كل ما يأمر به، إذا كان كذلك، فإنه على كل مسلم أن يسلم بوقوع النسخ في القرآن ما دامت قد أتت النصوص به، حتى لو لم تتبين لنا الحكمة من هذا النسخ.


ومع أننا لسنا مكلفين بمعرفة الحكمة من كل تشريع، إلا أن البحث عن هذه الحكم من ملح العلم ومما يزيد القلب طمأنينة بسلامة هذا التشريع وخلوه من التناقض والاختلاف، والخلل والانحراف، وصلاحيته لكل الناس في جميع العصور على السواء( [4]).


لما كانت شريعة الإسلام التي أرسل الله بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة وللبشرية عامة، كانت هذه الرسالة ناسخة لكل ما تقدمها من الشرائع؛ لأنها الشريعة المتوافقة مع الفطرة:

(فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)

(الروم: 30).


ولما كان الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لا يمكن أن يتم طفرة، أو بين عشية وضحاها، كان لا بد أيضا من بعض الأحكام الانتقالية المؤقتة في الشريعة الخاتمة؛ ومن هنا كانت حكمة النسخ في الشريعة الإسلامية، فعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية نسخت الشرائع السابقة لها، ومن أنها باقية خالدة إلى يوم القيامة، ولا يصح نسخها بشريعة أخرى - فإن مدة نزول القرآن، وهي مدة التحول من الجاهلية إلى الإسلام، كان لا بد لها من أحكام خاصة، حتى إذا انتهت هذه المدة انتهى النسخ، ومن هنا كان النسخ خاصا بتلك المدة الزمنية التي كان الوحي يتنزل فيها، وبانقطاع الوحي انقطع النسخ.


وأما الأحكام التي نسخت في الشريعة الإسلامية، فقد كانت الحكمة في بعضها التدرج في التشريع، وذلك في الأحكام الشاقة على النفوس، سواء أكانت منهيات كتحريم الخمر والزنى، أم مأمورات كتشريع الصوم والجهاد، وكانت الحكمة في بعضها مراعاة مرحلة الانطلاق والتأسيس التي تحتاج إلى جهد غير عادي، ومن هنا كان فرض قيام الليل، ووجوب الثبات أمام عشرة من المشركين، ثم خفف ذلك بعد أن كثر عدد المسلمين وازدادت قوتهم، فعاد الأمر إلى طبيعته المعتادة، فأصبح قيام الليل سنة، والوقوف أمام اثنين من المشركين هو الواجب( [5]).


نستطيع الآن أن نلخص حكمة النسخ فيما يأتي: 
•      مراعاة مصالح العباد.
•      تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس.
•      ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
•  إرادة الخير للأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر( [6]).


هذا عن حكمة النسخ بعامة، وإذا كان للنسخ عامة كل هذه الحكم والمقاصد، فإن القائلين بعدم وقوع النسخ يتساءلون: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم - وهلا بقيت التلاوة للجمع بين حكم الآية وثواب تلاوتها؟
نقل الزركشي عن ابن الجوزي إجابة عن هذا التساؤل قائلا: "إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريقة الظن من استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي"( [7]).
وقد يدعي المانعون أن نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم، عبث لا يليق بالشارع الحكيم، لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة.


يقول الشيخ عبد العظيم الزرقاني مجيبا عن هذا: ندفع هذه الشبهة بجوابين: 
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الحكمة، ولا خاليا من الفائدة، حتى يكون عبثا، بل فيه فائدة أي فائدة، وهي حصر القرآن في دائرة محدودة، تيسر على الأمة حفظه واستظهاره، وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سور محكم، وسياج منيع، يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع، ثم حاول أحد تحريفه، سرعان ما يعرف، وشذ ما يقابل بالإنكار، وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل، مصداقا

لقوله سبحانه وتعالى:

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9))

(الحجر).


وخلاصة ذلك:

 أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام، نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط؛ رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال؛ تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه:

(والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216)).

(البقرة)


ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة هذا النوع من النسخ ولا فائدته، فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء، وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم؟ ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أن يصدر لحكمة أو لفائدة، نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين، وكم في الإسلام من أمور تعبدية، استأثر الله بعلم حكمتها، أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه:

(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85))

(الإسراء).


ولا بدع في هذا، فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته؛ لنقص عقولهم، على حين أنه في الواقع مفيد، وهم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدته، والرئيس قد يأمر مرءوسيه بما يعجزون عن إدراك سره، وعلى حين أن له في الواقع سرا وحكمة، وهم ينفذون أمره، وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته.
كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم،

(ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60))

(النحل)( [8]).


وإذا كنا قد خلصنا وانتهينا إلى مثل هذه الحكم والمقاصد، وجدنا من يبتهج فرحا بتساؤل ظنه توصلا إلى مالم يتوصل إليه، وحسبه المانع للنسخ شيئا قويا يدحض الحق الأبلج " يحسبه الظمآن ماء"، فراح المدعى يقول: إذا كان الأمر كذلك في نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم، فما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ وغدا يقول: إن بقاء تلاوة الآية مع نسخ الحكم فيه إيهام ببقاء الحكم وتعريض المكلف للجهل والغلط.


أما عن السؤال عن حكمة رفع الحكم مع بقاء التلاوة، فالجواب - كما ذكره الإمام الزركشي - من وجهين: 
أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله - سبحانه وتعالى - فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
وثانيهما: أن النسخ غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة، وأما حكمة النسخ قبل العمل، كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به، وعلى نية طاعة الأمر( [9]).
وأما شبهة إيهام بقاء الحكم، وتعريض المكلف للجهل والخلط، فهي مردودة بأن النسخ لا يصار إليه إلا بدليل معلوم للمكلف، وإذا علم الدليل الناسخ زال الجهل، وبعد احتمال الخلط في الأحكام( [10]).


وأخيرا نقول: إذا كنا مأمورين بالتسليم لكل تشريع حتى ولو لم نعلم الفائدة والحكمة منه، فما بالنا وقد علمنا هذه الحكم الجمة والمقاصد العظيمة؟ وهذه الحكم كلها لا ينفي وجودها قصر نظر بعض الناس عنها: 
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم


الخلاصة: 


•  النسخ واقع في القرآن الكريم، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، وجمهور العلماء يقولون بأنواعه الثلاث؛ وذلك لتوافر الأدلة على وقوع ثلاثة الأنواع في القرآن.
•  إذا ثبت بالنصوص وقوع الأنواع الثلاث في القرآن وجب التسليم بها، إلا أن المانعين يوردون شبهات سهلة النقض، نوجزها رادين عليها فيما يأتي: 
o      قولهم إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم ولا يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر - مردود بأن هذا التلازم مشروط بانتفاء المعارض وهو الناسخ، والآمر به، يفعل ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة.
o      قولهم: إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة وهذا عيب يتنزه عنه الله - مردود بأن تلاوة الآية بعد نسخ حكمها تبقى مفيدة للإعجاز، وتبقى عبادة للناس، وتذكيرا بعناية الله ورحمته بعباده؛ إذ سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة، كما أن الآية بعد نسخ الحكم لا تخلو من دعوة إلى عقيدة أو إرشاد إلى فضيلة.
o      قولهم: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع المكلف في لبس - مردود بأن هذا حادث لو لم يورد الله دليلا على النسخ، أما وقد نصب الله الدلائل، فلا عذر لجاهل، ولا محل لتوريط أو تلبيس؛ لأن الله الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه، هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه. 
o      قولهم: إن نسخ الآية دون الحكم يوقع التلبيس على المكلف؛ لأن الآية دليل على الحكم - مردود بأن هذه اللوازم باطلة؛ لأن الله قد نصب الدليل على نسخ التلاوة وإبقاء الحكم.
•  النسخ في القرآن له حكم عظيمة، كمراعاة مصالح العباد، وتطور التشريع إلى مرتبه الكمال، وابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه، وإرادة الخير للأمة والتيسير عليها، وهذه حكم ومقاصد عامة.
•  ثمة حكم ومقاصد خاصة بكل نوع بعينه، فمثلا قضت حكمة الله أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام، نسخها الله تلاوة فقط؛ رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال، تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه.
•  وأما رفع الحكم مع بقاء تلاوته، فحكمته الإثابة علىالتلاوة، وتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم برفعه الحرج والمشقة عنهم.
•  إذا كنا مأمورين بالتسليم والامتثال لكل تشريع من الله - عز وجل - سواء أعلمنا حكمته أم لم نعلمها، فإن هذه الحكم والمقاصد التي ذكرناها في النسخ عامة وفي نوع بعينه خاصة، تقودنا إلى التسليم بوقوع النسخ في القرآن بأنواعه الثلاث، دون اضطراب أو خلل.

المراجع

  1. (*) مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/2004م. [1]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (3670). 
  2.  [2]. صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الحدود، باب الزنا وحده (4428)، وصححه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب (3554)، ووافقه الذهبي في التلخيص. 
  3.  [3]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م، ج2، ص169: 172.
  4.  [4]. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م، ص332 بتصرف يسير. 
  5.  [5]. البرهان على سلامة القرآن من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، د. أحمد بن منصور آل سبالك. مركز البحث العلمي للدراسات وإحياء التراث الإسلامي، مصر، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص195 بتصرف يسير. 
  6.  [6]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/2004م، ص232. 
  7.  [7]. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت، ج2، ص37. 
  8.  [8]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م، ج2، ص173. 
  9.  [9]. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت، ص39. 
  10.  [10]. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م، ص289.


الجواب التفصيلي

ادعاء أن أنواع النسخ في القرآن فيها من الاضطرابات ما ينفي وقوعها أصلا (*)


مضمون الشبهة: 


يدعي بعض المتوهمين وقوع الاضطراب وعدم الانضباط في أنواع النسخ الثلاثة في القرآن، ومن هنا يثيرون التساؤلات حولها، حائكين حول الثلاثة أنواع كثيرا من الشبهات، ومن ثم يقولون: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم، ولذا لا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر، فكيف يكون هناك نسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ التلاوة دون الحكم؟ ويقولون: إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي، وهذا لا يكون في حق الله، كما يقولون: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وهذا توريط وتلبيس على العبد. 
ثم يكملون هذه السلسلة بقولهم: إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر ذلك بارتفاع الحكم، وهذا بدوره ملبس على المكلف، ويؤدي إلى توريطه في اعتقاد فاسد. ثم يحكمون هذه السلسلة من الأقوال الملبسة المشككة بقولهم: إن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم عبث لا يليق بالشارع الحكيم؛ لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة. 
ويرمون من وراء هذه المطاعن جميعها وهذه التساؤلات إلى وصم التشريع بالعبث وإنكار وقوع النسخ في القرآن، للتوصل إلى التشكيك في سلامة القرآن وتمامه وعصمته.


وجها إبطال الشبهة: 


1) النسخ واقع في القرآن بأنواعه الثلاث، وقد أجمع جمهور المسلمين على ذلك لتوافر الأدلة والروايات الصحيحة على وقوعها جميعا، أما ما حاكه المدعون من أقوال وتساؤلات بغرض التشكيك فهي مردودة بأدلة عقلية ونقلية.
2) للنسخ في القرآن الكريم حكم ومقاصد عامة فضلا عن الحكم والمقاصد المنوطة بنوع بعينه من أنواع النسخ، وعدم العلم بهذه الحكم لا ينفي وجود النسخ؛ إذ ليس الجهل بالشيء دليلا على عدمه.


التفصيل: 


أولا. النسخ في القرآن واقع بأنواعه الثلاث: 


النسخ هو وقف العمل بحكم شرعي أفاده نص شرعي سابق من القرآن أو من السنة، وإحلال حكم آخر محله، أفاده نص شرعي آخر لاحق من الكتاب أو السنة؛ لحكمة قصدها الشرع، مع صحة العمل بحكم النص السابق قبل ورود النص اللاحق. 
ولا ريب أن المنطق السليم والعقل حاكمان بوقوع النسخ في القرآن الكريم؛ ذلك لأن المنطق السليم يقرر جواز وقوع النسخ عقلا؛ لأنه لا يترتب على وقوعه محال، والجواز العقلي يكفيه هذا، وقد أتينا على ذكر ذلك في مواضع سابقة.
أما عن أنواع النسخ في القرآن، فإن الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني تحدث عنها في كتابه "مناهل العرفان" فقال: 
النسخ الواقع في القرآن أنواع ثلاثة: 
•        نسخ التلاوة والحكم معا.
•        نسخ الحكم دون التلاوة.
•        نسخ التلاوة دون الحكم.


أما نسخ الحكم والتلاوة جميعا، فقد أجمع عليه القائلون بالنسخ من المسلمين، ويدل على وقوعه سمعا 

ما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت:

«كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن»

.( [1])

وإذا كان موقوفا على عائشة - رضي الله عنها - فإن له حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال بالرأي، بل لا بد فيه من توقف جملة: "عشر رضعات معلومات يحرمن"، ليس لها وجود في المصحف حتى تتلى، وليس العمل بما تفيده من الحكم باقيا، وبذلك يثبت وقوع نسخ التلاوة والحكم جميعا، وإذا ثبت وقوعه ثبت جوازه؛ لأن الوقوع أول دليل على الجواز، وبطل مذهب المانعين لجوازه شرعا.


وأما نسخ الحكم دون التلاوة، فيدل على وقوعه آيات كثيرة، منها: أن آية تقديم الصدقة أمام مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -

وهي قوله سبحانه وتعالى:

(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة)

(المجادلة: 12)

، منسوخة بقوله سبحانه وتعالى:

(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (13))

(المجادلة)،

على معنى أن حكم الآية الأولى منسوخ بحكم الآية الثانية، مع أن تلاوة كلتيهما باقية.

ومنها أن قوله سبحانه وتعالى:

(وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)

(البقرة: 184)،

منسوخ بقوله سبحانه وتعالى:

(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)

(البقرة: 185)،

على معنى أن حكم هذه منسوخ بحكم تلك، مع بقاء التلاوة في كلتيهما كما ترى.
وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فيدل على وقوعه ما صح عن أبي بن كعب أنه قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة أو أكثر»( [2]).
وإذا ثبت وقوع هذين النوعين كما ترى، ثبت جوازهما؛ لأن الوقوع أعظم دليل على الجواز، كما هو مقرر، وبذلك بطل ما ذهب إليه المانعون له من ناحية الشرع، ويبطل كذلك ما ذهب إليه المانعون له من ناحية العقل، وهم فريق من المعتزلة شذ عن الجماعة، فزعم أن هذين النوعين مستحيلان عقلا.


ويمكنك أن تفحم هذا الفريق من المعتزلة بدليل على الجواز العقلي الصرف لهذين النوعين، فتقول: إن ما يتعلق بالنصوص القرآنية من التعبد بلفظها وجواز الصلاة بها وحرمتها على الجنب في قراءتها ومسها - شبيه كل الشبه بما يتعلق بها من دلالتها على الوجوب والحرمة ونحوهما، في أن كلا من هذه المذكورات حكم شرعي يتعلق بالنص الكريم، وقد تقتضي المصلحة نسخ الجميع، وقد تقتضي نسخ بعض هذه المذكورات دون بعض، وإذن يجوز أن تنسخ الآية تلاوة وحكما، ويجوز أن تنسخ تلاوة لا حكما، ويجوز أن تنسخ حكما لا تلاوة، وإذا ثبت هذا بطل ما ذهب إليه هذا الفريق من الاستحالة العقلية للنوعين الآخرين.


وبعد أن ذكر ثلاثة الأنواع، أجاب عن شبهات المنكرين المانعين، وهو يعرضها واحدة واحدة؛ ليرفع الغشاوة عن أعين المتوهمين.


الشبهة الأولى ودفعها: 


يقولون: إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم، فلا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر.
والجواب: أن التلازم بين الآية وحكمها مشروط فيه انتفاء المعارض وهو الناسخ، أما إذا وجد الناسخ فلا تلازم، والأمر حينئذ للشارع الحكيم، إن شاء رفع الحكم وأبقى على التلاوة، وإن شاء عكس، وإن شاء رفعهما معا، على حسب ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة، ونظير ذلك، أن التلازم بين منطوق اللفظ ومفهومه مشروط فيه انتفاء المعارض، أما إذا وجد منطوق معارض للمفهوم، فإن المفهوم حينئذ يعطل، ويبقى العمل بالمنطوق وحده.


الشبهة الثانية ودفعها: 


يقولون: إن نسخ الحكم دون التلاوة، يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة، وهذا عيب لا يرضى به عاقل لأقل نوع من كلامه، فكيف يرضى به الله لكلامه؟
والجواب: أنا لا نسلم بهذا اللزوم، بل الآية بعد نسخ حكمها دون تلاوتها، تبقى مفيدة للإعجاز، وتبقى عبادة للناس، وتبقى تذكيرا بعناية الله ورحمته بعباده، إذ قد سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة من الأحكام، يضاف إلى ذلك أن الآية بعد نسخ حكمها لا تخلو غالبا من دعوة إلى عقيدة، أو إرشاد إلى فضيلة، أو ترغيب في خير، ومثل ذلك لاينسخ بنسخ الحكم، بل تبقى الآية مفيدة له؛ لأن النسخ لا يتعلق به.


الشبهة الثالثة ودفعها: 


يقولون: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم، يوقع في روع المكلف بقاء هذا الحكم، وذلك تلبيس وتوريط للعبد في اعتقاد فاسد، ومحال على الله أن يشكك أو يورط عبده.
والجواب: أن ذلك التلبيس وهذا التوريط، كان يصح به ادعاؤهما واستلزام نسخ الحكم دون التلاوة لهما، لو لم ينصب الله دليلا على النسخ، أما وقد نصب عليه الدلائل، فلا عذر لجاهل ولا محل لتوريط ولا تلبيس؛ لأن الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه، هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه،

(قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149))

(الأنعام).


الشبهة الرابعة ودفعها: 


يقولون: إن الآية دليل على الحكم، فلو نسخت دونه لأشعر نسخها بارتفاع الحكم، وفي ذلك ما فيه من التلبيس على المكلف، والتوريط له في اعتقاد فاسد.
وندفع هذه الشبهة: بأن تلك اللوازم الباطلة تحصل لو لم ينصب الشارع دليلا على نسخ التلاوة، وعلى إبقاء الحكم، أما وقد نصب الدليل على نسخ التلاوة وحدها، وعلى إبقاء الحكم وتقرير استمراره كما في رجم الزناة المحصنين، فلا تلبيس من الشارع على عبده ولا توريط( [3]).


ثانيا. للنسخ في القرآن حكم ومقاصد: 


إذا كان الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله - سبحانه وتعالى - وتسليم النفس والأمر إليه بالسمع والطاعة في كل ما يأمر به، إذا كان كذلك، فإنه على كل مسلم أن يسلم بوقوع النسخ في القرآن ما دامت قد أتت النصوص به، حتى لو لم تتبين لنا الحكمة من هذا النسخ.


ومع أننا لسنا مكلفين بمعرفة الحكمة من كل تشريع، إلا أن البحث عن هذه الحكم من ملح العلم ومما يزيد القلب طمأنينة بسلامة هذا التشريع وخلوه من التناقض والاختلاف، والخلل والانحراف، وصلاحيته لكل الناس في جميع العصور على السواء( [4]).


لما كانت شريعة الإسلام التي أرسل الله بها محمدا - صلى الله عليه وسلم - للناس كافة وللبشرية عامة، كانت هذه الرسالة ناسخة لكل ما تقدمها من الشرائع؛ لأنها الشريعة المتوافقة مع الفطرة:

(فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم)

(الروم: 30).


ولما كان الانتقال من الجاهلية إلى الإسلام لا يمكن أن يتم طفرة، أو بين عشية وضحاها، كان لا بد أيضا من بعض الأحكام الانتقالية المؤقتة في الشريعة الخاتمة؛ ومن هنا كانت حكمة النسخ في الشريعة الإسلامية، فعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية نسخت الشرائع السابقة لها، ومن أنها باقية خالدة إلى يوم القيامة، ولا يصح نسخها بشريعة أخرى - فإن مدة نزول القرآن، وهي مدة التحول من الجاهلية إلى الإسلام، كان لا بد لها من أحكام خاصة، حتى إذا انتهت هذه المدة انتهى النسخ، ومن هنا كان النسخ خاصا بتلك المدة الزمنية التي كان الوحي يتنزل فيها، وبانقطاع الوحي انقطع النسخ.


وأما الأحكام التي نسخت في الشريعة الإسلامية، فقد كانت الحكمة في بعضها التدرج في التشريع، وذلك في الأحكام الشاقة على النفوس، سواء أكانت منهيات كتحريم الخمر والزنى، أم مأمورات كتشريع الصوم والجهاد، وكانت الحكمة في بعضها مراعاة مرحلة الانطلاق والتأسيس التي تحتاج إلى جهد غير عادي، ومن هنا كان فرض قيام الليل، ووجوب الثبات أمام عشرة من المشركين، ثم خفف ذلك بعد أن كثر عدد المسلمين وازدادت قوتهم، فعاد الأمر إلى طبيعته المعتادة، فأصبح قيام الليل سنة، والوقوف أمام اثنين من المشركين هو الواجب( [5]).


نستطيع الآن أن نلخص حكمة النسخ فيما يأتي: 
•      مراعاة مصالح العباد.
•      تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة وتطور حال الناس.
•      ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.
•  إرادة الخير للأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب، وإن كان إلى أخف ففيه سهولة ويسر( [6]).


هذا عن حكمة النسخ بعامة، وإذا كان للنسخ عامة كل هذه الحكم والمقاصد، فإن القائلين بعدم وقوع النسخ يتساءلون: ما الحكمة في رفع التلاوة مع بقاء الحكم - وهلا بقيت التلاوة للجمع بين حكم الآية وثواب تلاوتها؟
نقل الزركشي عن ابن الجوزي إجابة عن هذا التساؤل قائلا: "إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريقة الظن من استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء، كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي"( [7]).
وقد يدعي المانعون أن نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم، عبث لا يليق بالشارع الحكيم، لأنه من التصرفات التي لا تعقل لها فائدة.


يقول الشيخ عبد العظيم الزرقاني مجيبا عن هذا: ندفع هذه الشبهة بجوابين: 
أحدهما: أن نسخ الآية مع بقاء الحكم ليس مجردا من الحكمة، ولا خاليا من الفائدة، حتى يكون عبثا، بل فيه فائدة أي فائدة، وهي حصر القرآن في دائرة محدودة، تيسر على الأمة حفظه واستظهاره، وتسهل على سواد الأمة التحقق فيه وعرفانه، وذلك سور محكم، وسياج منيع، يحمي القرآن من أيدي المتلاعبين فيه بالزيادة أو النقص؛ لأن الكلام إذا شاع وذاع وملأ البقاع، ثم حاول أحد تحريفه، سرعان ما يعرف، وشذ ما يقابل بالإنكار، وبذلك يبقى الأصل سليما من التغيير والتبديل، مصداقا

لقوله سبحانه وتعالى:

(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9))

(الحجر).


وخلاصة ذلك:

 أن حكمة الله قضت أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام، نسخ سبحانه هذه الآيات في تلاوتها فقط؛ رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال؛ تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه:

(والله يعلم وأنتم لا تعلمون (216)).

(البقرة)


ثانيهما: أنه على فرض عدم علمنا بحكمة هذا النوع من النسخ ولا فائدته، فإن عدم العلم بالشيء لا يصلح حجة على العلم بعدم ذلك الشيء، وإلا فمتى كان الجهل طريقا من طرق العلم؟ ثم إن الشأن في كل ما يصدر عن العليم الحكيم الرحمن الرحيم، أن يصدر لحكمة أو لفائدة، نؤمن بها وإن كنا لا نعلمها على التعيين، وكم في الإسلام من أمور تعبدية، استأثر الله بعلم حكمتها، أو أطلع عليها بعض خاصته من المقربين منه والمحبوبين لديه:

(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85))

(الإسراء).


ولا بدع في هذا، فرب البيت قد يأمر أطفاله بما لا يدركون فائدته؛ لنقص عقولهم، على حين أنه في الواقع مفيد، وهم يأتمرون بأمره وإن كانوا لا يدركون فائدته، والرئيس قد يأمر مرءوسيه بما يعجزون عن إدراك سره، وعلى حين أن له في الواقع سرا وحكمة، وهم ينفذون أمره، وإن كانوا لا يفهمون سره وحكمته.
كذلك شأن الله مع خلقه فيما خفي عليهم من أسرار تشريعه، وفيما لم يدركوا من فائدة نسخ التلاوة دون الحكم،

(ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60))

(النحل)( [8]).


وإذا كنا قد خلصنا وانتهينا إلى مثل هذه الحكم والمقاصد، وجدنا من يبتهج فرحا بتساؤل ظنه توصلا إلى مالم يتوصل إليه، وحسبه المانع للنسخ شيئا قويا يدحض الحق الأبلج " يحسبه الظمآن ماء"، فراح المدعى يقول: إذا كان الأمر كذلك في نسخ التلاوة مع إبقاء الحكم، فما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ وغدا يقول: إن بقاء تلاوة الآية مع نسخ الحكم فيه إيهام ببقاء الحكم وتعريض المكلف للجهل والغلط.


أما عن السؤال عن حكمة رفع الحكم مع بقاء التلاوة، فالجواب - كما ذكره الإمام الزركشي - من وجهين: 
أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله - سبحانه وتعالى - فيثاب عليه، فتركت التلاوة لهذه الحكمة.
وثانيهما: أن النسخ غالبا يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيرا بالنعمة ورفع المشقة، وأما حكمة النسخ قبل العمل، كالصدقة عند النجوى فيثاب على الإيمان به، وعلى نية طاعة الأمر( [9]).
وأما شبهة إيهام بقاء الحكم، وتعريض المكلف للجهل والخلط، فهي مردودة بأن النسخ لا يصار إليه إلا بدليل معلوم للمكلف، وإذا علم الدليل الناسخ زال الجهل، وبعد احتمال الخلط في الأحكام( [10]).


وأخيرا نقول: إذا كنا مأمورين بالتسليم لكل تشريع حتى ولو لم نعلم الفائدة والحكمة منه، فما بالنا وقد علمنا هذه الحكم الجمة والمقاصد العظيمة؟ وهذه الحكم كلها لا ينفي وجودها قصر نظر بعض الناس عنها: 
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد
وينكر الفم طعم الماء من سقم


الخلاصة: 


•  النسخ واقع في القرآن الكريم، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، وجمهور العلماء يقولون بأنواعه الثلاث؛ وذلك لتوافر الأدلة على وقوع ثلاثة الأنواع في القرآن.
•  إذا ثبت بالنصوص وقوع الأنواع الثلاث في القرآن وجب التسليم بها، إلا أن المانعين يوردون شبهات سهلة النقض، نوجزها رادين عليها فيما يأتي: 
o      قولهم إن الآية والحكم المستفاد منها متلازمان تلازم المنطوق والمفهوم ولا يجوز انفكاك أحدهما عن الآخر - مردود بأن هذا التلازم مشروط بانتفاء المعارض وهو الناسخ، والآمر به، يفعل ما تقتضيه الحكمة أو المصلحة.
o      قولهم: إن نسخ الحكم دون التلاوة يستلزم تعطيل الكلام الإلهي وتجريده من الفائدة وهذا عيب يتنزه عنه الله - مردود بأن تلاوة الآية بعد نسخ حكمها تبقى مفيدة للإعجاز، وتبقى عبادة للناس، وتذكيرا بعناية الله ورحمته بعباده؛ إذ سن لهم في كل وقت ما يساير الحكمة والمصلحة، كما أن الآية بعد نسخ الحكم لا تخلو من دعوة إلى عقيدة أو إرشاد إلى فضيلة.
o      قولهم: إن بقاء التلاوة بعد نسخ الحكم يوقع المكلف في لبس - مردود بأن هذا حادث لو لم يورد الله دليلا على النسخ، أما وقد نصب الله الدلائل، فلا عذر لجاهل، ولا محل لتوريط أو تلبيس؛ لأن الله الذي أعلن الحكم الأول بالآية وشرعه، هو الذي أعلن بالناسخ أنه نسخه ورفعه. 
o      قولهم: إن نسخ الآية دون الحكم يوقع التلبيس على المكلف؛ لأن الآية دليل على الحكم - مردود بأن هذه اللوازم باطلة؛ لأن الله قد نصب الدليل على نسخ التلاوة وإبقاء الحكم.
•  النسخ في القرآن له حكم عظيمة، كمراعاة مصالح العباد، وتطور التشريع إلى مرتبه الكمال، وابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه، وإرادة الخير للأمة والتيسير عليها، وهذه حكم ومقاصد عامة.
•  ثمة حكم ومقاصد خاصة بكل نوع بعينه، فمثلا قضت حكمة الله أن تنزل بعض الآيات في أحكام شرعية عملية، حتى إذا اشتهرت تلك الأحكام، نسخها الله تلاوة فقط؛ رجوعا بالقرآن إلى سيرته من الإجمال، وطردا لعادته في عرض فروع الأحكام من الإقلال، تيسيرا لحفظه وضمانا لصونه.
•  وأما رفع الحكم مع بقاء تلاوته، فحكمته الإثابة علىالتلاوة، وتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم برفعه الحرج والمشقة عنهم.
•  إذا كنا مأمورين بالتسليم والامتثال لكل تشريع من الله - عز وجل - سواء أعلمنا حكمته أم لم نعلمها، فإن هذه الحكم والمقاصد التي ذكرناها في النسخ عامة وفي نوع بعينه خاصة، تقودنا إلى التسليم بوقوع النسخ في القرآن بأنواعه الثلاث، دون اضطراب أو خلل.

المراجع

  1. (*) مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/2004م. [1]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (3670). 
  2.  [2]. صحيح: أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الحدود، باب الزنا وحده (4428)، وصححه الحاكم في مستدركه، كتاب التفسير، تفسير سورة الأحزاب (3554)، ووافقه الذهبي في التلخيص. 
  3.  [3]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م، ج2، ص169: 172.
  4.  [4]. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م، ص332 بتصرف يسير. 
  5.  [5]. البرهان على سلامة القرآن من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان، د. أحمد بن منصور آل سبالك. مركز البحث العلمي للدراسات وإحياء التراث الإسلامي، مصر، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص195 بتصرف يسير. 
  6.  [6]. مباحث في علوم القرآن، مناع القطان، مكتبة وهبة، القاهرة، ط13، 1425هـ/2004م، ص232. 
  7.  [7]. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت، ج2، ص37. 
  8.  [8]. مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، مكتبة مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط1، 1417هـ / 1996م، ج2، ص173. 
  9.  [9]. البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت، د. ت، ص39. 
  10.  [10]. دراسات في علوم القرآن، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ط1، 1991م، ص289.