نص السؤال

الزعم أن المسلمين يثبتون العصمة للمسيح وينفونها عن محمد صلى الله عليه وسلم

المصدر: شبهات المشككين في الإسلام

الجواب التفصيلي

الزعم أن المسلمين يثبتون العصمة للمسيح وينفونها عن محمد صلى الله عليه وسلم (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن المسلمين يقرون أن المسيح معصوم، وأنهم لم يثبتوا العصمة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وجها إبطال الشبهة:

1) عقيدة المسلمين في جميع الأنبياء والرسل أنهم جميعا معصومون، وليس المسيح - عليه السلام - وحده، ومن ادعى غير ذلك فهو جاحد لا عقل له.

2) النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - معصوم في قوله، وفعله، وبلاغه عن الله، وهذا ثابت عقلا ونقلا عند جميع المسلمين، ولم يخالف منهم في ذلك أحد.

التفصيل:

أولا. عقيدة المسلمين في جميع الأنبياء والرسل واحدة، وهي أنهم جميعا معصومون:

والعصمة في اللغة تعني: المنع، تقول: اعتصمت بالله: إذا امتنعت بلطفه من المعصية[1]. أما العصمة في الاصطلاح الشرعي فلها تعريفات متعددة أوضحها، وأنسبها للمعنى اللغوي أنها: لطف من الله - سبحانه وتعالى - يحمل النبي على فعل الخير، ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء[2].

وفي عصمة الأنبياء من المعاصي قبل النبوة يتردد سؤال هو: هل يجوز العقل صدور الذنب من الأنبياء قبل النبوة أو لا؟

وللجواب عن هذا السؤال نوضح أن الذنوب تنقسم قسمين:

الأول: يستقل العقل بإدراك أنه ذنب فينفر صاحبه من ارتكابه كالزنا، والقتل العمد، ونحوهما، فهذا لا يجوز العقل صدوره منهم لأمرين هما:

1.  أن عقل الإنسان العادي الصحيح ينفر عنه، والأنبياء أصح الناس عقولا، فهم أولى بالامتناع والنفرة عنه.

2.  أن صدور هذا النوع من الذنوب منهم يكون وصمة عار تزعزع الثقة بهم - بعد النبوة - وتنفر الناس من اتباعهم.

والثاني: هو ما يتوقف معرفة أنه ذنب على الشرع، كالتعامل بالربا مثلا، فهذا النوع لا مانع لدى العقل من فعله، ولا تشريع قبل البعثة يمنع منه، ولا ينفر أتباع الأنبياء بعد البعثة، ولم ينقل إلينا أن أحدا من الأنبياء قد فعل شيئا منه قبل بعثته.

ولما كان الله - عز وجل - لم يرسل إلى خلقه إلا من هو أعقل أهل زمانه، وأقواهم فطرة، وأحسنهم خلقا وخلقا؛ كان الأنبياء معصومين قبل النبوة وبعدها، ولم يقع ذنب من أحدهم قط.

والأنبياء في هذه العصمة من الذنوب سواء؛ لأنه لا فرق بين نبي وآخر في عصمة الله - عز وجل - لهم، وأما صدور الصغائر قبل البعثة منهم - عليهم السلام - فلا مانع من وقوعها عمدا أو سهوا؛ لعدم قيام دليل على المنع. ولا خلاف أن الأنبياء معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته، وأما وقوع الصغائر من الأنبياء سهوا، أو خطأ في الاجتهاد فيجوز، وعلى هذا يحمل ما نسب إلى بعضهم من ذنوب في القرآن الكريم، والحديث الشريف، عوتبوا عليها، وأشفقوا منها، واستغفروا، وتابوا[3].

فما ذكر في القرآن الكريم عن بعضهم يظهر منزلتهم برجوعهم إلى الله - سبحانه وتعالى - واعترافهم بتقصيرهم في جنب الله، فهذا يظهر مكانتهم ولا يزري بهم، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - معصومون زمان النبوة عن الكبائر والصغائر. أما الخطأ على السهو فهو جائز في غير الوحي والتشريع[4].

ثانيا. النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - معصوم في قوله وفعله وبلاغه عن الله، وهذا ثابت عقلا ونقلا عند جميع المسلمين:

اختار الله - عز وجل - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أصلاب الطاهرين وأرحام الطاهرات من لدن آدم، وحواء إلى أبيه وأمه، وهذا من عناية الله - عز وجل - بنبيه - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يولد. وبعد أن ولد حفظه الله - سبحانه وتعالى - من الشيطان، فلم يجعل له سبيلا إلى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد شق صدره وقلبه، وهو صغير، واستخرجت منه العلقة السوداء، التي هي حظ الشيطان من الإنسان، ثم غسل قلبه حتى نقي[5].

وحفظه ربه من قبائح الجاهلية ومساوئها، فلم يتدنس بدنسها، يدل على هذا ما جاء عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما هممت بقبيح مما هم به أهل الجاهلية - أي: ويفعلونه - إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله - عز وجل - منهما؛ قلت لفتى كان معى من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان قد تزوج بفلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الصوت، فغلبتني عيناي، فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك، فوالله ما هممت بشيء من ذلك - بعد - حتى أكرمني الله - سبحانه وتعالى - بنبوته»[6].

وثبت - صلى الله عليه وسلم - على هجر المآثم، فكان على الطريق المستقيم لم يعدل عنه، وأقسم الحق - عز وجل - أن نبيه - صلى الله عليه وسلم - لم يعدل عن الطريق المستقيم،

فقال:

(والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3)

(النجم).

قال البيضاوي في معنى الآية: ما عدل محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الطريق المستقيم، وما اعتقد باطلا - والمراد نفي ما ينسبون إليه - وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى[7]،

قال سبحانه وتعالى:

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)

آل عمران: 164)

ويضيف ابن كثير إلى معنى الآية: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من جنسهم؛ ليتمكنوا من مخاطبته، وسؤاله، ومجالسته، والانتفاع به، فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته، ومراجعته في فهم الكلام عنه؛ ولهذا قال: (يتلو عليهم آياته) يعني القرآن: (ويزكيهم) يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر؛ لتزكو نفوسهم، وتطهر من الدنس، والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، )ويعلمهم الكتاب والحكمة(: القرآن والسنة) وإن كانوا من قبل( هذا الرسول (لفي ضلال مبين) لفي غي وجهل ظاهر بين لكل أحد"[8].

ومما وصف به نبينا - صلى الله عليه وسلم - في التوراة والإنجيل أنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر،

قال سبحانه وتعالى:

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)

(الأعراف: ١٥٧)

وإذا كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، فهل يترك معروفا، أو يأتي منكرا؟ كلا. ومن هنا يقطع ببعده عن المآثم والمعاصي، ونزاهته عن كل ما يخالف دعوته، وتثبت له العصمة، ثم إن ربه قد وصفه بأنه نور يضيء للناس حياتهم، وتبصر به بصائرهم، ويخرجهم من ظلمات جهالاتهم،

قال سبحانه وتعالى:

(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46)

(الأحزاب).

ومن كان بهذه المكانة؛ فإنه يكون في أقواله وأفعاله مثالا يحتذى به في فعل كل خير، والبعد عن كل شر؛ لأن من يترك الخير، أو يفعل الشر لا يهدي غيره، ولا يضيء للآخرين حياتهم.

وحتى يستضاء بنوره، ويهتدى بهديه كان - صلى الله عليه وسلم - متواضعا للمؤمنين رفيقا بهم، كما أمره ربه بذلك في

قوله سبحانه وتعالى:

(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)

(الشعراء:215)

وكان متسامحا يعفو عن المسيئين، ويأمر بالمعروف، ولا يكافئ الجاهلين بمثل أفعالهم تنفيذا لأمر ربه بذلك

في قوله سبحانه وتعالى:

(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)

(الأعراف:199)

ولا عجب أن يكون - صلى الله عليه وسلم - على هذا الخلق العالي؛ وقد اقتدى بهدي الرسل جميعا - عليهم الصلاة والسلام - كما أمره ربه

بقوله:

(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)

(الأنعام:٩٠)

وتخلق - صلى الله عليه وسلم - بأخلاقهم.

وأخيرا، وبعد زمان طويل بدأ المنصفون من غير المسلمين في الاعتراف بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وكمال رسالته، واعتباره "الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على كلا المستويين: الديني والدنيوي، فهو قد دعا إلى الإسلام، ونراه كواحد من أعظم الديانات، وبعد أربعة عشر قرنا من وفاته؛ فإن أثره ما يزال متجددا"[9].

الخلاصة:                           

· الأنبياء كلهم معصومون، والمسلمون يعتقدون - يقينا - لجميعهم العصمة، ويؤمنون بهم جميعا عليهم السلام. والمسلمون مأمورون بعدم التفرقة بين أحد من رسل الله - سبحانه وتعالى - فالأنبياء في العصمة سواء، والأنبياء معصومون عن المعاصي فلا تقع منهم في زمان النبوة، أما وقوعها منهم على سبيل السهو، فهو جائز في غير الوحي والتشريع.

·لقد تكفل الله - سبحانه وتعالى - بحفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصمته قبل البعثة وبعدها، ولا عجب أن يكون - صلى الله عليه وسلم - على هذا الخلق العالي؛ فإنه اقتدى بهدي الرسل جميعا - عليهم الصلاة والسلام - كما أمره ربه بقوله سبحانه وتعالى: )أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده( ومن يتخلق بأخلاق الرسل جميعا، لا شك في أنه يكون أسرع الناس في الخيرات، وأبعدهم عن المعاصي.

المراجع

  1. (*) الإسلام والغرب، روم لاندو، ترجمة: منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1962م.
  2.  لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر، بيروت، 1994م، مادة: عصم. 
  3. نسيم الرياض، أحمد شهاب الدين الخفاجي، المطبعة الأزهرية المصرية، القاهرة، د. ت، ج4، ص39.
  4.  عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص118، 119.
  5. عصمة الأنبياء، فخر الدين الرازي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1406هـ/ 1986م، ص41: 47.
  6. الطبقات الكبرى، ابن سعد، مطبعة نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة، د. ت، ج1، ص131. 
  7.  حسن: أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق (6272)، وحسن إسناده الأرنؤوط في تعليقه صحيح ابن حبان. 
  8.  أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين أبو سعيد البيضاوي، تحقيق: عبد القادر عرفات، دار الفكر، بيروت، 1416هـ/ 1998م، ج2، ص340. 
  9.  تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، ج1، ص424. 
  10. انظر: المائة الأعظم أثرا في التاريخ، ميخائيل هارث، ترجمة: علي الجوهري، مكتبة القرآن، القاهرة، د. ت.

الجواب التفصيلي

الزعم أن المسلمين يثبتون العصمة للمسيح وينفونها عن محمد صلى الله عليه وسلم (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المتوهمين أن المسلمين يقرون أن المسيح معصوم، وأنهم لم يثبتوا العصمة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

وجها إبطال الشبهة:

1) عقيدة المسلمين في جميع الأنبياء والرسل أنهم جميعا معصومون، وليس المسيح - عليه السلام - وحده، ومن ادعى غير ذلك فهو جاحد لا عقل له.

2) النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - معصوم في قوله، وفعله، وبلاغه عن الله، وهذا ثابت عقلا ونقلا عند جميع المسلمين، ولم يخالف منهم في ذلك أحد.

التفصيل:

أولا. عقيدة المسلمين في جميع الأنبياء والرسل واحدة، وهي أنهم جميعا معصومون:

والعصمة في اللغة تعني: المنع، تقول: اعتصمت بالله: إذا امتنعت بلطفه من المعصية[1]. أما العصمة في الاصطلاح الشرعي فلها تعريفات متعددة أوضحها، وأنسبها للمعنى اللغوي أنها: لطف من الله - سبحانه وتعالى - يحمل النبي على فعل الخير، ويزجره عن الشر، مع بقاء الاختيار تحقيقا للابتلاء[2].

وفي عصمة الأنبياء من المعاصي قبل النبوة يتردد سؤال هو: هل يجوز العقل صدور الذنب من الأنبياء قبل النبوة أو لا؟

وللجواب عن هذا السؤال نوضح أن الذنوب تنقسم قسمين:

الأول: يستقل العقل بإدراك أنه ذنب فينفر صاحبه من ارتكابه كالزنا، والقتل العمد، ونحوهما، فهذا لا يجوز العقل صدوره منهم لأمرين هما:

1.  أن عقل الإنسان العادي الصحيح ينفر عنه، والأنبياء أصح الناس عقولا، فهم أولى بالامتناع والنفرة عنه.

2.  أن صدور هذا النوع من الذنوب منهم يكون وصمة عار تزعزع الثقة بهم - بعد النبوة - وتنفر الناس من اتباعهم.

والثاني: هو ما يتوقف معرفة أنه ذنب على الشرع، كالتعامل بالربا مثلا، فهذا النوع لا مانع لدى العقل من فعله، ولا تشريع قبل البعثة يمنع منه، ولا ينفر أتباع الأنبياء بعد البعثة، ولم ينقل إلينا أن أحدا من الأنبياء قد فعل شيئا منه قبل بعثته.

ولما كان الله - عز وجل - لم يرسل إلى خلقه إلا من هو أعقل أهل زمانه، وأقواهم فطرة، وأحسنهم خلقا وخلقا؛ كان الأنبياء معصومين قبل النبوة وبعدها، ولم يقع ذنب من أحدهم قط.

والأنبياء في هذه العصمة من الذنوب سواء؛ لأنه لا فرق بين نبي وآخر في عصمة الله - عز وجل - لهم، وأما صدور الصغائر قبل البعثة منهم - عليهم السلام - فلا مانع من وقوعها عمدا أو سهوا؛ لعدم قيام دليل على المنع. ولا خلاف أن الأنبياء معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحط منزلته، وتسقط مروءته، وأما وقوع الصغائر من الأنبياء سهوا، أو خطأ في الاجتهاد فيجوز، وعلى هذا يحمل ما نسب إلى بعضهم من ذنوب في القرآن الكريم، والحديث الشريف، عوتبوا عليها، وأشفقوا منها، واستغفروا، وتابوا[3].

فما ذكر في القرآن الكريم عن بعضهم يظهر منزلتهم برجوعهم إلى الله - سبحانه وتعالى - واعترافهم بتقصيرهم في جنب الله، فهذا يظهر مكانتهم ولا يزري بهم، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - معصومون زمان النبوة عن الكبائر والصغائر. أما الخطأ على السهو فهو جائز في غير الوحي والتشريع[4].

ثانيا. النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - معصوم في قوله وفعله وبلاغه عن الله، وهذا ثابت عقلا ونقلا عند جميع المسلمين:

اختار الله - عز وجل - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أصلاب الطاهرين وأرحام الطاهرات من لدن آدم، وحواء إلى أبيه وأمه، وهذا من عناية الله - عز وجل - بنبيه - صلى الله عليه وسلم - من قبل أن يولد. وبعد أن ولد حفظه الله - سبحانه وتعالى - من الشيطان، فلم يجعل له سبيلا إلى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد شق صدره وقلبه، وهو صغير، واستخرجت منه العلقة السوداء، التي هي حظ الشيطان من الإنسان، ثم غسل قلبه حتى نقي[5].

وحفظه ربه من قبائح الجاهلية ومساوئها، فلم يتدنس بدنسها، يدل على هذا ما جاء عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما هممت بقبيح مما هم به أهل الجاهلية - أي: ويفعلونه - إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله - عز وجل - منهما؛ قلت لفتى كان معى من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان قد تزوج بفلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الصوت، فغلبتني عيناي، فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك، فوالله ما هممت بشيء من ذلك - بعد - حتى أكرمني الله - سبحانه وتعالى - بنبوته»[6].

وثبت - صلى الله عليه وسلم - على هجر المآثم، فكان على الطريق المستقيم لم يعدل عنه، وأقسم الحق - عز وجل - أن نبيه - صلى الله عليه وسلم - لم يعدل عن الطريق المستقيم،

فقال:

(والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3)

(النجم).

قال البيضاوي في معنى الآية: ما عدل محمد - صلى الله عليه وسلم - عن الطريق المستقيم، وما اعتقد باطلا - والمراد نفي ما ينسبون إليه - وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى[7]،

قال سبحانه وتعالى:

(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)

آل عمران: 164)

ويضيف ابن كثير إلى معنى الآية: "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من جنسهم؛ ليتمكنوا من مخاطبته، وسؤاله، ومجالسته، والانتفاع به، فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته، ومراجعته في فهم الكلام عنه؛ ولهذا قال: (يتلو عليهم آياته) يعني القرآن: (ويزكيهم) يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر؛ لتزكو نفوسهم، وتطهر من الدنس، والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، )ويعلمهم الكتاب والحكمة(: القرآن والسنة) وإن كانوا من قبل( هذا الرسول (لفي ضلال مبين) لفي غي وجهل ظاهر بين لكل أحد"[8].

ومما وصف به نبينا - صلى الله عليه وسلم - في التوراة والإنجيل أنه يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر،

قال سبحانه وتعالى:

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر)

(الأعراف: ١٥٧)

وإذا كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، فهل يترك معروفا، أو يأتي منكرا؟ كلا. ومن هنا يقطع ببعده عن المآثم والمعاصي، ونزاهته عن كل ما يخالف دعوته، وتثبت له العصمة، ثم إن ربه قد وصفه بأنه نور يضيء للناس حياتهم، وتبصر به بصائرهم، ويخرجهم من ظلمات جهالاتهم،

قال سبحانه وتعالى:

(يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (46)

(الأحزاب).

ومن كان بهذه المكانة؛ فإنه يكون في أقواله وأفعاله مثالا يحتذى به في فعل كل خير، والبعد عن كل شر؛ لأن من يترك الخير، أو يفعل الشر لا يهدي غيره، ولا يضيء للآخرين حياتهم.

وحتى يستضاء بنوره، ويهتدى بهديه كان - صلى الله عليه وسلم - متواضعا للمؤمنين رفيقا بهم، كما أمره ربه بذلك في

قوله سبحانه وتعالى:

(واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين)

(الشعراء:215)

وكان متسامحا يعفو عن المسيئين، ويأمر بالمعروف، ولا يكافئ الجاهلين بمثل أفعالهم تنفيذا لأمر ربه بذلك

في قوله سبحانه وتعالى:

(خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)

(الأعراف:199)

ولا عجب أن يكون - صلى الله عليه وسلم - على هذا الخلق العالي؛ وقد اقتدى بهدي الرسل جميعا - عليهم الصلاة والسلام - كما أمره ربه

بقوله:

(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)

(الأنعام:٩٠)

وتخلق - صلى الله عليه وسلم - بأخلاقهم.

وأخيرا، وبعد زمان طويل بدأ المنصفون من غير المسلمين في الاعتراف بصدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وكمال رسالته، واعتباره "الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحا مطلقا على كلا المستويين: الديني والدنيوي، فهو قد دعا إلى الإسلام، ونراه كواحد من أعظم الديانات، وبعد أربعة عشر قرنا من وفاته؛ فإن أثره ما يزال متجددا"[9].

الخلاصة:                           

· الأنبياء كلهم معصومون، والمسلمون يعتقدون - يقينا - لجميعهم العصمة، ويؤمنون بهم جميعا عليهم السلام. والمسلمون مأمورون بعدم التفرقة بين أحد من رسل الله - سبحانه وتعالى - فالأنبياء في العصمة سواء، والأنبياء معصومون عن المعاصي فلا تقع منهم في زمان النبوة، أما وقوعها منهم على سبيل السهو، فهو جائز في غير الوحي والتشريع.

·لقد تكفل الله - سبحانه وتعالى - بحفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصمته قبل البعثة وبعدها، ولا عجب أن يكون - صلى الله عليه وسلم - على هذا الخلق العالي؛ فإنه اقتدى بهدي الرسل جميعا - عليهم الصلاة والسلام - كما أمره ربه بقوله سبحانه وتعالى: )أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده( ومن يتخلق بأخلاق الرسل جميعا، لا شك في أنه يكون أسرع الناس في الخيرات، وأبعدهم عن المعاصي.

المراجع

  1. (*) الإسلام والغرب، روم لاندو، ترجمة: منير البعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، 1962م.
  2.  لسان العرب، ابن منظور، دار الفكر، بيروت، 1994م، مادة: عصم. 
  3. نسيم الرياض، أحمد شهاب الدين الخفاجي، المطبعة الأزهرية المصرية، القاهرة، د. ت، ج4، ص39.
  4.  عصمة الأنبياء والرد على الشبه الموجهة إليهم، د. محمد أبو النور الحديدي، مطبعة الأمانة، القاهرة، 1399هـ/ 1979م، ص118، 119.
  5. عصمة الأنبياء، فخر الدين الرازي، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 1406هـ/ 1986م، ص41: 47.
  6. الطبقات الكبرى، ابن سعد، مطبعة نشر الثقافة الإسلامية، القاهرة، د. ت، ج1، ص131. 
  7.  حسن: أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب التاريخ، باب بدء الخلق (6272)، وحسن إسناده الأرنؤوط في تعليقه صحيح ابن حبان. 
  8.  أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين أبو سعيد البيضاوي، تحقيق: عبد القادر عرفات، دار الفكر، بيروت، 1416هـ/ 1998م، ج2، ص340. 
  9.  تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، ج1، ص424. 
  10. انظر: المائة الأعظم أثرا في التاريخ، ميخائيل هارث، ترجمة: علي الجوهري، مكتبة القرآن، القاهرة، د. ت.