نص السؤال

دعوى اختلاف القرآن في أحكامه وتناقض معانيه

المصدر: شبهات المشككين في الإسلام

الجواب التفصيلي

دعوى اختلاف القرآن في أحكامه وتناقض معانيه(*)

مضمون الشبهة:

يرمي المشركون والمنافقون القرآن بالتناقض واختلاف أحكامه وتضارب معانيه، وتكذيب بعضه بعضا.

 وجها إبطال الشبهة:

1) دعوتهم إلى تدبر القرآن والنظر فيه وتفهم معانيه وأحكامه، فإنه لو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف وتضاد كثير.

2)  القرآن لا اختلاف فيه ولا اضطراب وقد سلم من كل ذلك، وما جهله الناس من القرآن هو من قصور عقلهم.

التفصيل:

أولا. من تدبر القرآن علم أنه من عند الله عز وجل:

يدعو القرآن هؤلاء المنافقين والمشركين أن يتدبروا كتاب الله عز وجل؛ ليعلموا حجة الله عليهم في طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباع أمره، وأن الذي أتاهم به من التنزيل هو من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، ولكان فيه اختلاف كثير.

يقول قتادة - رحمه الله - في هذه الآية: قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل، وقول الناس يختلف،

ولذا قال سبحانه وتعالى:

(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)

(النساء:82)

وكل متدبر في القرآن بحق يعلم أنه من عند الله، ولو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا؛ لعدم استطاعته أن يأتي بمثله في تصوير الحق بصورته كما هي لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها، لا في حكايته عن الماضي الذي لم يشهده محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها، ولا في بيانه لخفايا الحاضر حتى حديث النفس ومخبآت الضمائر، ولعدم استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد وقواعد التشريع، وفلسفة الآداب والأخلاق، وسياسة الشعوب والأقوام، وفنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات وسنن الاجتماع ونواميس العمران وضرب الأمثال، وتكرار القصة الواحدة بالعبارات البليغة، وفوق ذلك كله ما فيه من العلم الإلهي والخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من الحساب على الأعمال والجزاء الوفاق، وكون ذلك موافقا لفطرة الإنسان، فالالتئام بين آياته الكثيرة هو غاية الغايات عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.

وهكذا تدبر القرآن وتأمل ما فيه يهدي صاحبه إلى كونه من عند الله عز وجل، وإلى وجوه الاهتداء بهداه[1].

ثانيا. جهل من زعم أن القرآن من عند غير الله:

أما ما جهله الناس من أمر القرآن فهو من تقصير عقولهم وجهالتهم، فإن محكم القرآن حق، و متشابهه حق، ولا يضرب بعضه ببعض، فما جهله الناس من أمر القرآن وجب رده إلى العالم به، ولهذا مدح الله الراسخين في العلم الذين قالوا:

(كل من عند ربنا)

(آل عمران: ٧)

أي: محكمه ومتشابهه حق؛ فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، وذم الله الزائغين عن الحق الذين اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة حيث ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا.

ومن رد القرآن على هذه الدعوى أيضا قوله - سبحانه وتعالى - في آية أخرى:

(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها)

(الزمر: ٢٣)

فالقرآن أحسن الحديث، ولا كتاب أحسن منه، ولا يمكن لأحسن الحديث أن يكون فيه تناقض أو إشكال أو اضطراب.

ومعنى المتشابه هنا يراد به أن القرآن متماثل في النظم والبلاغة والهدف الذي يدعو إليه فلا تجد في أسلوبه اختلافا ولا في معانيه مناقضة، فهو يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة، ويصدق بعضه بعضا، في غاية الفصاحة والبلاغة والجزالة.

وأيضا فقد نفى الله - عز وجل - عن كتابه جميع أنواع الريبة والشك

فقال:

(ذلك الكتاب لا ريب فيه)

(البقرة: ٢)

وقد استفتح بهذه الكلمة كتابه معلنا فيها التحدي لكل من يقرأ أن يجد فيه خطأ أو ريبا أو شكا، على خلاف عادة البشر الذين يستفتحون كتبهم بالاعتذار عن الأخطاء، وإظهار العجز، فالمرجو تقبل الحق الذي فيه والتماس العذر لأخطائه، أما القرآن فلا زيغ فيه ولا اختلال في نظمه ولا تنافي في معانيه،

قال سبحانه وتعالى:

(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا)

(الكهف:1)

وهكذا ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين

(لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)

(فصلت:42)

فهو كتاب عظيم فصل،

قال سبحانه وتعالى:

(إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14)

(الطارق)[2].

الخلاصة:

·القرآن وحي من الله سبحانه وتعالى؛ ولذا سلم من الاضطراب والاختلاف، إذ لو كان من عند غير الله لكان فيه كثير من الاختلاف والتعارض.

·ما توهمه الجاهلون من تناقض القرآن في أحكامه وتضارب معانيه مردوده إلى قصور عقولهم، وعدم تدبر وفهم معانيه وأحكامه.

·القرآن الكريم تدل تفاصيل آياته على مقاصده؛ فلو تأمل هؤلاء المغرضون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم الناتجة عن كفرهم.

المراجع

  1. (*) الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (النساء/ 82، الكهف/ 1، فصلت/ 42، البقرة/ 2، الطارق/ 13، 14، الزمر/ 3). 
  2.  التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج3، ج 5، ص137، 138 بتصرف.
  3.  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج5، ص290 بتصرف. 
  4. للمزيد انظر: التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج1، ج1، ص223: 228.

الجواب التفصيلي

دعوى اختلاف القرآن في أحكامه وتناقض معانيه(*)

مضمون الشبهة:

يرمي المشركون والمنافقون القرآن بالتناقض واختلاف أحكامه وتضارب معانيه، وتكذيب بعضه بعضا.

 وجها إبطال الشبهة:

1) دعوتهم إلى تدبر القرآن والنظر فيه وتفهم معانيه وأحكامه، فإنه لو كان من عند غير الله لكان فيه اختلاف وتضاد كثير.

2)  القرآن لا اختلاف فيه ولا اضطراب وقد سلم من كل ذلك، وما جهله الناس من القرآن هو من قصور عقلهم.

التفصيل:

أولا. من تدبر القرآن علم أنه من عند الله عز وجل:

يدعو القرآن هؤلاء المنافقين والمشركين أن يتدبروا كتاب الله عز وجل؛ ليعلموا حجة الله عليهم في طاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباع أمره، وأن الذي أتاهم به من التنزيل هو من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، ولكان فيه اختلاف كثير.

يقول قتادة - رحمه الله - في هذه الآية: قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل، وقول الناس يختلف،

ولذا قال سبحانه وتعالى:

(ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)

(النساء:82)

وكل متدبر في القرآن بحق يعلم أنه من عند الله، ولو كان من عند غيره لوجدوا فيه اختلافا كثيرا؛ لعدم استطاعته أن يأتي بمثله في تصوير الحق بصورته كما هي لا يختلف ولا يتفاوت في شيء منها، لا في حكايته عن الماضي الذي لم يشهده محمد صلى الله عليه وسلم، ولا في إخباره عن الآتي في مسائل كثيرة وقعت كما أنبأ بها، ولا في بيانه لخفايا الحاضر حتى حديث النفس ومخبآت الضمائر، ولعدم استطاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا غيره أن يأتي بمثله في بيان أصول العقائد وقواعد التشريع، وفلسفة الآداب والأخلاق، وسياسة الشعوب والأقوام، وفنون القول وألوان العبر في أنواع المخلوقات وسنن الاجتماع ونواميس العمران وضرب الأمثال، وتكرار القصة الواحدة بالعبارات البليغة، وفوق ذلك كله ما فيه من العلم الإلهي والخبر عن عالم الغيب والدار الآخرة، وما فيها من الحساب على الأعمال والجزاء الوفاق، وكون ذلك موافقا لفطرة الإنسان، فالالتئام بين آياته الكثيرة هو غاية الغايات عند من أوتي الحكمة وفصل الخطاب.

وهكذا تدبر القرآن وتأمل ما فيه يهدي صاحبه إلى كونه من عند الله عز وجل، وإلى وجوه الاهتداء بهداه[1].

ثانيا. جهل من زعم أن القرآن من عند غير الله:

أما ما جهله الناس من أمر القرآن فهو من تقصير عقولهم وجهالتهم، فإن محكم القرآن حق، و متشابهه حق، ولا يضرب بعضه ببعض، فما جهله الناس من أمر القرآن وجب رده إلى العالم به، ولهذا مدح الله الراسخين في العلم الذين قالوا:

(كل من عند ربنا)

(آل عمران: ٧)

أي: محكمه ومتشابهه حق؛ فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، وذم الله الزائغين عن الحق الذين اتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة حيث ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا.

ومن رد القرآن على هذه الدعوى أيضا قوله - سبحانه وتعالى - في آية أخرى:

(الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها)

(الزمر: ٢٣)

فالقرآن أحسن الحديث، ولا كتاب أحسن منه، ولا يمكن لأحسن الحديث أن يكون فيه تناقض أو إشكال أو اضطراب.

ومعنى المتشابه هنا يراد به أن القرآن متماثل في النظم والبلاغة والهدف الذي يدعو إليه فلا تجد في أسلوبه اختلافا ولا في معانيه مناقضة، فهو يشبه بعضه بعضا في الحسن والحكمة، ويصدق بعضه بعضا، في غاية الفصاحة والبلاغة والجزالة.

وأيضا فقد نفى الله - عز وجل - عن كتابه جميع أنواع الريبة والشك

فقال:

(ذلك الكتاب لا ريب فيه)

(البقرة: ٢)

وقد استفتح بهذه الكلمة كتابه معلنا فيها التحدي لكل من يقرأ أن يجد فيه خطأ أو ريبا أو شكا، على خلاف عادة البشر الذين يستفتحون كتبهم بالاعتذار عن الأخطاء، وإظهار العجز، فالمرجو تقبل الحق الذي فيه والتماس العذر لأخطائه، أما القرآن فلا زيغ فيه ولا اختلال في نظمه ولا تنافي في معانيه،

قال سبحانه وتعالى:

(الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا)

(الكهف:1)

وهكذا ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين

(لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)

(فصلت:42)

فهو كتاب عظيم فصل،

قال سبحانه وتعالى:

(إنه لقول فصل (13) وما هو بالهزل (14)

(الطارق)[2].

الخلاصة:

·القرآن وحي من الله سبحانه وتعالى؛ ولذا سلم من الاضطراب والاختلاف، إذ لو كان من عند غير الله لكان فيه كثير من الاختلاف والتعارض.

·ما توهمه الجاهلون من تناقض القرآن في أحكامه وتضارب معانيه مردوده إلى قصور عقولهم، وعدم تدبر وفهم معانيه وأحكامه.

·القرآن الكريم تدل تفاصيل آياته على مقاصده؛ فلو تأمل هؤلاء المغرضون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم الناتجة عن كفرهم.

المراجع

  1. (*) الآيات التي ورد فيها الرد على الشبهة: (النساء/ 82، الكهف/ 1، فصلت/ 42، البقرة/ 2، الطارق/ 13، 14، الزمر/ 3). 
  2.  التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج3، ج 5، ص137، 138 بتصرف.
  3.  الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج5، ص290 بتصرف. 
  4. للمزيد انظر: التحرير والتنوير، محمد الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، مج1، ج1، ص223: 228.