نص السؤال

توهم تناقض القرآن بشأن مدة بقاء المجرمين في الدنيا، أو في القبر

المؤلف: مجموعة مؤلفي بيان الإسلام

المصدر: موسوعة بيان الإسلام

الجواب التفصيلي

توهم تناقض القرآن بشأن فترة بقاء المجرمين في الدنيا، أو في القبر (*)


مضمون الشبهة: 


يدعي بعض المتوهمين أن هناك تناقضا بين آيات القرآن الكريم؛ وذلك في

قوله سبحانه وتعالى:

(ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55))

(الروم)

، وقوله سبحانه وتعالى:

(يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104))

(طه)

حيث إن المكث في زعمهم لا يمكن أن يكون ساعة وعشرا، ويوما في آن واحد. ويتساءلون: إن كان القرآن من عند الله حقا، فكيف يقع فيه هذا الاضطراب؟! ويرمون من وراء ذلك إلى الطعن في عصمة القرآن. 


وجه إبطال الشبهة: 


يمكن التوفيق بين هذه الآيات بعدة آراء؛ منها: 
•       فترة مكث المجرمين في الدنيا لم تكن ساعة، ولا عشرا، ولا يوما، وكلامهم هذا من قبيل المجاز. 
•   عبر عن فترة مكثهم في الدنيا بالساعة، والعشر، واليوم، قياسا على طول يوم القيامة، وتقليلا لفترة تمتعهم في الدنيا، وإنما اضطربت أقوالهم لهول الصدمة، والقرآن يصور الحالات التي سيكونون عليها، فكل إنسان يصف الحالة التي يشعر بها. 


التفصيل: 


هناك عدة تفسيرات تبين السبب الذي من أجله اختلف تحديد الزمن في هذه الآيات، ومنها أن: 


1.    مدة مكث المجرمين ليست كما ذكروا، وكلامهم عنها رمز، لا حقيقة: 


إن واقع الحياة يستدعي شرطا أساسيا فيمن يوصف بأنه مجرم؛ حيث إن الإنسان العادي من الممكن أن يموت في أول ساعة من ميلاده، أو أول عشر ليال من عمره، أو أول يوم من مولده، فهو في كل حال من هذه الأحوال لم تتجاوز مدة مكوثه في الدنيا أكثر مما ذكرنا، ومن الممكن أن يمكث أكثر من ذلك. أما المجرم فلا يمكن أن تقل مدة لبثه في الدنيا عن سن البلوغ؛ لأن الإنسان قبل هذه السن غير مكلف مرفوع عنه القلم، فلا يجوز بأية حال تسميته بالمجرم. 
ومن هنا نعلم كيف أن المجرم مدة لبثه في الدنيا لم تكن ساعة، أو عشرا، أو يوما. 
إن قسمهم بأنهم لم يلبثوا غير ساعة كان على سبيل الرمز لا الحقيقة؛ فلا يحكم عليه بالتناقض مع غيره من المتشابه، وإنما الحقيقة - كما ذكرنا - أن فترة المكوث تتجاوز المدة التي ادعوا فيها التناقض، بل إن من الناس من يعمر فيزيد سنه عن الستين والسبعين، بل ويتجاوز المائة. 


2.    اضطراب أقوال المجرمين يوم القيامة كان لهول الصدمة: 


لما رأى المجرمون أهوال يوم القيامة والنار - وهذا محقق لا محالة – حينئـذ استقلـوا مـدة تمتعهم في الدنيا، فراحوا يهذون بكلام غير معقـول إذا قـورن بالحقيقـة؛ تخمينـا ونسيانـا وكذبـا منهـم،

كمـا نـص الحـق – عـز وجــل - في كتابـــه:

(كذلك كانوا يؤفكون (55))

(الروم)،

أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق والصدق. 
وهذا ما تؤيده الآيات الأخرى التي وردت في هذا المقام

كقوله سبحانه وتعالى:

(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)

(الأحقاف: ٣٥)،

وقوله سبحانه وتعالى:

(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46))

(النازعات)

، وقوله سبحانه وتعالى:

(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113))

(المؤمنون). 


فهذه الآيات في سياق الحديث عما يحدث يوم تقوم الساعة، ويوم يرى المجرمون ما يوعدون، ويوم يرون النار، ويوم يعرضون على الواحد القهار، فمن هول ما يلقون يكون لسانهم ترجمانا لحال قلوبهم. 
وهناك حقيقة أخرى تنبض بها الآيات تتضح من تكرار(كأنهم) في الآيتين الأوليين، وقولهم: (يوما أو بعض يوم)، وهذا يدل على الشك الموحي بخلاف الحقيقة. 
إن الذي جعلهم يهذون بهذه التخمينات الكاذبة أنهم كانوا مصروفين في الدنيا عن وجه الحق والصواب، وبهذا تكون هذه الآيات مؤيدة متضامنة مع الآيات المزعوم التناقض فيها. 
وقد يسأل سائل: إذا كان مكوث المجرمين في الدنيا أو في القبر ليس ساعة ولا عشرا ولا يوما، وإنما الحقيقة أنهم لبثوا أكثر من ذلك، وأن هذه الألفاظ جيء بها كرمز لما هم فيه من الهول، ولما أصابهم من الذهول، أو فقد جزئي للذاكرة، فلم قال في موضع: ساعة، وفي موضع ثان: عشرا، أي: ليال، وفي موضع ثالث: يوما، لم لم يجعل لذلك لفظا واحدا؟
وفي الجواب نقول: أيها السائل، انتبه! فالتعبير في الآية الأولى بالساعة إفك منهم، وكذلك كانوا يؤفكون في الدنيا، وفي الآية الثانية بالعشر؛ إذ كانوا يتخافتون ويقترحون، ويؤكدون غفلتهم بأنهم لم يلبثوا إلا عشر ليال. 
وفي الآية الثالثة باليوم،

قال سبحانه وتعالى:

(إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104))

(طه)

، أي: أعدلهم رأيا أو عملا؛ لأن "يوم" تناسب قلة البقاء في الدنيا، إذا قورن بهول يوم القيامة الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد [1]. 


الخلاصة: 


•   لا تعارض بين الآيات؛ فقد ذكر العلماء عدة آراء في تفسير هذه الآيات، منها: أن مدة مكوث المجرمين لم تكن ساعة، ولا يوما، ولا حتى عشرا، وإنما الحقيقة أنهم مكثوا أكثر من ذلك بكثير، بل إن منهم من كان من المعمرين، فقولهم هذا كان على سبيل الرمز، ومنها: أنهم قالوا هذا لما أصاب عقلهم وذاكرتهم من الذهول لهول يوم القيامة، مما جعلهم ينظرون لحياتهم في الدنيا وكأنها يوم، أو ساعة، أو عشية، أو ضحاها، أو مثل ذلك. 
•   إن التعبير في الآية الأولى: إفك وكذب منهم، وفي الثانية: اقتراح منهم، وفي الثالثة: إثبات لقصر الدنيا حقا إذا ما قورنت بهول يوم القيامة. 

المراجع

  1. تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، المستشار توفيق علي وهبة، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2006م، ص283. البيان في درء التعارض المتوهم بين آيات القرآن، د. عاطف المليجي، مكتبة اقرأ، القاهرة، ط1، 2004م، ص70.


الجواب التفصيلي

توهم تناقض القرآن بشأن فترة بقاء المجرمين في الدنيا، أو في القبر (*)


مضمون الشبهة: 


يدعي بعض المتوهمين أن هناك تناقضا بين آيات القرآن الكريم؛ وذلك في

قوله سبحانه وتعالى:

(ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (55))

(الروم)

، وقوله سبحانه وتعالى:

(يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104))

(طه)

حيث إن المكث في زعمهم لا يمكن أن يكون ساعة وعشرا، ويوما في آن واحد. ويتساءلون: إن كان القرآن من عند الله حقا، فكيف يقع فيه هذا الاضطراب؟! ويرمون من وراء ذلك إلى الطعن في عصمة القرآن. 


وجه إبطال الشبهة: 


يمكن التوفيق بين هذه الآيات بعدة آراء؛ منها: 
•       فترة مكث المجرمين في الدنيا لم تكن ساعة، ولا عشرا، ولا يوما، وكلامهم هذا من قبيل المجاز. 
•   عبر عن فترة مكثهم في الدنيا بالساعة، والعشر، واليوم، قياسا على طول يوم القيامة، وتقليلا لفترة تمتعهم في الدنيا، وإنما اضطربت أقوالهم لهول الصدمة، والقرآن يصور الحالات التي سيكونون عليها، فكل إنسان يصف الحالة التي يشعر بها. 


التفصيل: 


هناك عدة تفسيرات تبين السبب الذي من أجله اختلف تحديد الزمن في هذه الآيات، ومنها أن: 


1.    مدة مكث المجرمين ليست كما ذكروا، وكلامهم عنها رمز، لا حقيقة: 


إن واقع الحياة يستدعي شرطا أساسيا فيمن يوصف بأنه مجرم؛ حيث إن الإنسان العادي من الممكن أن يموت في أول ساعة من ميلاده، أو أول عشر ليال من عمره، أو أول يوم من مولده، فهو في كل حال من هذه الأحوال لم تتجاوز مدة مكوثه في الدنيا أكثر مما ذكرنا، ومن الممكن أن يمكث أكثر من ذلك. أما المجرم فلا يمكن أن تقل مدة لبثه في الدنيا عن سن البلوغ؛ لأن الإنسان قبل هذه السن غير مكلف مرفوع عنه القلم، فلا يجوز بأية حال تسميته بالمجرم. 
ومن هنا نعلم كيف أن المجرم مدة لبثه في الدنيا لم تكن ساعة، أو عشرا، أو يوما. 
إن قسمهم بأنهم لم يلبثوا غير ساعة كان على سبيل الرمز لا الحقيقة؛ فلا يحكم عليه بالتناقض مع غيره من المتشابه، وإنما الحقيقة - كما ذكرنا - أن فترة المكوث تتجاوز المدة التي ادعوا فيها التناقض، بل إن من الناس من يعمر فيزيد سنه عن الستين والسبعين، بل ويتجاوز المائة. 


2.    اضطراب أقوال المجرمين يوم القيامة كان لهول الصدمة: 


لما رأى المجرمون أهوال يوم القيامة والنار - وهذا محقق لا محالة – حينئـذ استقلـوا مـدة تمتعهم في الدنيا، فراحوا يهذون بكلام غير معقـول إذا قـورن بالحقيقـة؛ تخمينـا ونسيانـا وكذبـا منهـم،

كمـا نـص الحـق – عـز وجــل - في كتابـــه:

(كذلك كانوا يؤفكون (55))

(الروم)،

أي: مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق والصدق. 
وهذا ما تؤيده الآيات الأخرى التي وردت في هذا المقام

كقوله سبحانه وتعالى:

(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار)

(الأحقاف: ٣٥)،

وقوله سبحانه وتعالى:

(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (46))

(النازعات)

، وقوله سبحانه وتعالى:

(قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113))

(المؤمنون). 


فهذه الآيات في سياق الحديث عما يحدث يوم تقوم الساعة، ويوم يرى المجرمون ما يوعدون، ويوم يرون النار، ويوم يعرضون على الواحد القهار، فمن هول ما يلقون يكون لسانهم ترجمانا لحال قلوبهم. 
وهناك حقيقة أخرى تنبض بها الآيات تتضح من تكرار(كأنهم) في الآيتين الأوليين، وقولهم: (يوما أو بعض يوم)، وهذا يدل على الشك الموحي بخلاف الحقيقة. 
إن الذي جعلهم يهذون بهذه التخمينات الكاذبة أنهم كانوا مصروفين في الدنيا عن وجه الحق والصواب، وبهذا تكون هذه الآيات مؤيدة متضامنة مع الآيات المزعوم التناقض فيها. 
وقد يسأل سائل: إذا كان مكوث المجرمين في الدنيا أو في القبر ليس ساعة ولا عشرا ولا يوما، وإنما الحقيقة أنهم لبثوا أكثر من ذلك، وأن هذه الألفاظ جيء بها كرمز لما هم فيه من الهول، ولما أصابهم من الذهول، أو فقد جزئي للذاكرة، فلم قال في موضع: ساعة، وفي موضع ثان: عشرا، أي: ليال، وفي موضع ثالث: يوما، لم لم يجعل لذلك لفظا واحدا؟
وفي الجواب نقول: أيها السائل، انتبه! فالتعبير في الآية الأولى بالساعة إفك منهم، وكذلك كانوا يؤفكون في الدنيا، وفي الآية الثانية بالعشر؛ إذ كانوا يتخافتون ويقترحون، ويؤكدون غفلتهم بأنهم لم يلبثوا إلا عشر ليال. 
وفي الآية الثالثة باليوم،

قال سبحانه وتعالى:

(إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104))

(طه)

، أي: أعدلهم رأيا أو عملا؛ لأن "يوم" تناسب قلة البقاء في الدنيا، إذا قورن بهول يوم القيامة الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد [1]. 


الخلاصة: 


•   لا تعارض بين الآيات؛ فقد ذكر العلماء عدة آراء في تفسير هذه الآيات، منها: أن مدة مكوث المجرمين لم تكن ساعة، ولا يوما، ولا حتى عشرا، وإنما الحقيقة أنهم مكثوا أكثر من ذلك بكثير، بل إن منهم من كان من المعمرين، فقولهم هذا كان على سبيل الرمز، ومنها: أنهم قالوا هذا لما أصاب عقلهم وذاكرتهم من الذهول لهول يوم القيامة، مما جعلهم ينظرون لحياتهم في الدنيا وكأنها يوم، أو ساعة، أو عشية، أو ضحاها، أو مثل ذلك. 
•   إن التعبير في الآية الأولى: إفك وكذب منهم، وفي الثانية: اقتراح منهم، وفي الثالثة: إثبات لقصر الدنيا حقا إذا ما قورنت بهول يوم القيامة. 

المراجع

  1. تنزيه القرآن عن المطاعن، القاضي عبد الجبار، تحقيق: د. أحمد عبد الرحيم السايح، المستشار توفيق علي وهبة، مكتبة النافذة، القاهرة، ط1، 2006م، ص283. البيان في درء التعارض المتوهم بين آيات القرآن، د. عاطف المليجي، مكتبة اقرأ، القاهرة، ط1، 2004م، ص70.