نص السؤال

كيف نَقبَلُ كتُبَ السنَّةِ، والصحابةُ تلَقَّوْا كلَّ ما يُلْقيهِ كعبُ الأحبارِِ - الذي كان يهوديًّا - بغيرِ نقدٍ، أو تمحيصٍ، معتبِرينَ أنه صحيحٌ لا ريبَ فيه؟

المؤلف: باحثو مركز أصول

المصدر: مركز أصول

عبارات مشابهة للسؤال

الصحابةُ كانوا يَرْوُون عن بني إسرائيل

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:
حقيقةُ هذه الشبهةِ: الطعنُ في السنَّةِ النبويَّةِ بالطعنِ في أجلِّ طبَقاتِ رُواتِها؛ وهم الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم؛ وذلك بسببِ روايتِهم عن كعبِ الأحبار، والاستشكالُ الواردُ في السؤالِ يتضمَّنُ الحاجةَ إلى بيانِ حقيقةِ كعبٍ رحمه الله، وما كان يَرْويه، وتعامُلِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم معه.
ويتبيَّنُ ذلك مِن وجوه:
1- الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم لا يَرُوجُ عليهم الكذبُ:
فإن القولَ بأن كعبَ الأحبارِ وغيرَهُ مِن مُسلِمةِ أهلِ الكتابِ كانوا يَكذِبون، ويَرُوجُ كذبُهم على الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم في دِينِهم -: هذا القولُ فيه حَطٌّ على قومٍ فتَحوا العالَمَ، ودبَّروا الدنيا أحكَمَ تدبيرٍ إلى أسفلِ درَجاتِ التغفيلِ؛ كأنهم رضيَ اللهُ عنهم لم يَعرِفوا النبيَّ ﷺ ودِينَهُ وسنَّتَهُ وهَدْيَهُ، فقَبِلوا ما يَفْتريه عليه وعلى دِينِهِ إنسانٌ لم يَعرِفْه.
بل إن الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم كان يتوقَّفُ بعضُهم عما يُخبِرُهُ أخوهُ الذي يتيقَّنُ صدقَهُ وإيمانَهُ وطُولَ صحبتِهِ للنبيِّ ﷺ؛ فهل تَرَاهم مع هذا يتهالَكون على رجلٍ كان يهوديًّا، فأسلَمَ بعد النبيِّ ﷺ بسِنِين، فيَقبَلون منه ما يُخبِرُهم عن النبيِّ ﷺ مما يُفسِدُ دِينَه؟! لقد كان الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم في غِنًى تامٍّ بالنسبةِ إلى سُنَّةِ نبيِّهم ﷺ، إن احتاج أحدٌ منهم إلى شيءٍ، رجَعَ إلى إخوانِهِ الذين صَحِبوا النبيَّ ﷺ، وجالَسوه.
وكان كعبٌ أعقَلَ مِن أن يأتِيَهم فيحدِّثَهم عن نبيِّهم، وهو يَعلَمُ أنهم سيَسْألونَهُ: مَن أخبَرَك؟ فإن ذكَرَ صحابيًّا، سأَلوه، فيَبِينُ الواقعُ، وإن لم يذكُرْ أحدًا، كذَّبوهُ ورفَضوه.
2- الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم يَعلَمون أن أهلَ الكتابِ قد بدَّلوا وحرَّفوا، وكانوا ينتقِدون ما يأتي عنهم ويمحِّصونه:
فقد روَوْا عن النبيِّ ﷺ قولَهُ:

عن أبي هُرَيرةَ

«لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ»؛

رواه البخاري (4485)


وفي «صحيحِ البخاريِّ» أيضًا (7363)،

عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما؛ أنه قال

«كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثُ، تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ؟!».


وفيه أيضًا (7361): أن مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه ذكَرَ كعبَ الأحبارِ، فقال:

«إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ»

 أي: نَجِدُ بعضَ ما يُخبِرُنا عنه يقَعُ بخلافِ ما يُخبِرُنا به، ويقَعُ ذلك خطأً منه، أو لأن بعضَ ما يُخبِرُ به محرَّفٌ في الأصل، وليس المرادُ أنه يتعمَّدُ الكذبَ.
وكان عند عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما صحيفةٌ عن النبيِّ ﷺ، كان يسمِّيها «الصادقةَ»؛ تمييزًا لها عن صُحُفٍ كانت عنده مِن كُتُبِ أهلِ الكتاب. 
وقد زعَمَ كعبٌ أن ساعةَ الإجابةِ في يومِ الجمعةِ إنما تكونُ في جمعةٍ واحدةٍ مِن السَّنَةِ، أو في جمعةٍ واحدةٍ مِن الشهر، فرَدَّ عليه أبو هُرَيرةَ وعبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ بخبَرِ النبيِّ ﷺ: أنها في كلِّ يومِ جُمُعةٍ؛ فقد أخرَجَ أبو داودَ (1046)، والنَّسائيُّ (1430)، والتِّرمِذيُّ (491)، وأحمدُ (10303)، وغيرُهم، وصحَّحه التِّرمِذيُّ، وابنُ حِبَّانَ (2772)،

عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ

«وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّة، فَقُلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ، وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ».


وهم - وإن كان بعضُهم يَرْوي وينقُلُ عن كعبِ الأحبارِ رحمه الله - ولكنْ غايةُ ما في ذلك: تصديقُهُ في أن هذا الخبرَ موجودٌ في صُحُفِ أهلِ الكتاب، وهذا لا شيءَ فيه، ولا يدُلُّ على اعتقادِ عدمِ تحريفِ تلك الكُتُبِ، ولا على عدمِ نقدِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم وتمحيصِهم. 
3- المادَّةُ التي كانت عند كعبِ الأحبارِ، هي الحكاياتُ عن صُحُفِ أهلِ الكتابِ، وأشياءُ مِن قولِهِ في الحكمةِ والموعظةِ، ولم تكن مادَّةً كيديَّةً لأهلِ الإسلام:
فهو إنما كان يَعرِفُ الكُتُبَ القديمةَ، فكان يحدِّثُ عنها بآدابٍ وأشياءَ في الزهدِ والورَعِ، أو بقِصَصٍ وحكاياتٍ تناسِبُ أشياءَ مِن القرآنِ أو السنَّة، وإن لم تكن تقومُ بها حجَّةٌ استقلالًا.
ولو كان - كما زعَمهُ بعضُهم - منافِقًا مُصِرًّا في الباطنِ على اليهوديَّةِ متعصِّبًا لها - فليس مِن المعقولِ أن يَكذِبَ للمسلِمينَ بما يَزيدُهم ثباتًا على الإسلامِ، وحَنَقًا على اليهود.
ولو فرَضْنا أيضًا: أنه كان يَكيدُ للإسلام، فماذا كان عاقبةُ وثوقِ المسلِمينَ به؟! إن غايةَ ما يُفيدُهُ وثوقُهم هو تصديقُهم له في أن ما يَحْكيهِ عن كُتُبِ أهلِ الكتابِ موجودٌ فيها، ولم يكن هذا لِيُفيدَهُ شيئًا لو كان منافِقًا؛ لأنه يَعرِفُ أن المسلِمين يعتقِدون أن كتُبَ أهلِ الكتابِ محرَّفةٌ مبدَّلةٌ.
بل إن ما كان يحصُلُ مِن مُسلِمةِ أهلِ الكتابِ - الذين عَلِموا ما عند أهلِ الكتابِ بلُغَتِهم، وترجَموهُ إلى العربيَّة - يُنتفَعُ به في مناظَرتِهم ومخاطَبتِهم؛ وحينئذٍ: يُستشهَدُ بما عندهم على موافَقةِ ما جاء به الرسولُ ﷺ، ويكونُ حجَّةً عليهم؛ كما يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة. 
على أنه ليس كلُّ ما نُسِبَ إلى كعبٍ في الكُتُبِ ثابتًا عنه؛ فإن الكذَّابين مِن بعدِهِ قد نسَبوا إليه أشياءَ كثيرةً لم يقُلْها، وما صَحَّ عنه مِن الأقوالِ، ولم يُوجَدْ في كُتُبِ أهلِ الكتابِ الآنَ، فليس بحجَّةٍ واضحةٍ على كذبِه؛ فإن كثيرًا مِن كُتُبِهم قد انقرَضَتْ نُسَخُها، ثم هم لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون.
كما أن النُّقَّادَ والأئمَّةَ بيَّنوا ما قد وقَعَ مِن غلَطٍ مِن بعضِ الرواةِ فيما يروُونَهُ عن كعبٍ رحمه الله.

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال:
يرى صاحبُ السؤالِ: أن الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم تلَقَّوْا كلَّ ما يُلْقيهِ كعبُ الأحبارِ - الذي كان يهوديًّا - بغيرِ نقدٍ، أو تمحيصٍ، معتبِرينَ أنه صحيحٌ لا ريبَ فيه؛ مما يَعْني - مِن وجهةِ نظرِ صاحبِ السؤال - تسرُّبَ كثيرٍ مِن الأفكارِ اليهوديَّةِ غيرِ الصحيحةِ إلى كُتُبِ السنَّة.
مختصَرُ الإجابة:
لم يتسرَّبْ شيءٌ مِن الأفكارِ اليهوديَّةِ غيرِ الصحيحةِ إلى مدوَّناتِ السنَّةِ النبويَّةِ الصحيحةِ، عن طريقِ كعبِ الأحبارِ رحمه الله، ولا غيرِهِ ممن أسلَمَ مِن أهلِ الكتاب؛ فهو إنما كان يَعرِفُ الكُتُبَ القديمةَ، فكان يحدِّثُ عنها بآدابٍ وأشياءَ في الزهدِ والورَعِ، أو بقِصَصٍ وحكاياتٍ تناسِبُ أشياءَ في القرآنِ أو السنَّة، وإن لم تكن تقومُ بها حجَّةٌ استقلالًا، ويستشهِدُ بها على موافَقةِ ما جاء به الرسولُ ﷺ للرسالاتِ السابقة؛ فتكونُ حجَّةً على أهلِ الكتاب، وما لم يكن كذلك، فإن الصحابةَ كانوا ينبِّهونه على خطَئِهِ فيه، ولم يكن يَرُوجُ عليهم الكذبُ؛ فإن الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا يعتقِدون أن أهلَ الكتابِ قد بدَّلوا وحرَّفوا، وكانوا ينتقِدون ما يأتي عنهم ويمحِّصونه، وهم أسمى عقلًا، وأعلى فِطْنةً، وأعلمُ مِن أن يُدخِلَ عليهم أحدٌ أشياءَ مغلوطةً.
على أنه ليس كلُّ ما نُسِبَ إلى كعبٍ في الكُتُبِ ثابتًا عنه؛ فإن الكذَّابين مِن بعدِهِ قد نسَبوا إليه أشياءَ كثيرةً لم يقُلْها، وما صَحَّ عنه مِن الأقوالِ، ولم يُوجَدْ في كُتُبِ أهلِ الكتابِ الآنَ، فليس بحجَّةٍ واضحةٍ على كذبِه؛ فإن كثيرًا مِن كُتُبِهم قد انقرَضَتْ نُسَخُها، ثم هم لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون.
كما أن النُّقَّادَ والأئمَّةَ بيَّنوا ما قد وقَعَ مِن غلَطٍ مِن بعضِ الرواةِ فيما يروُونَهُ عن كعبٍ رحمه الله. 

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

إن كعبَ الأحبارِ رحمه الله ممَّن زكَّاه الصحابةُ ومدَحوه:

فمِن ذلك: قولُ مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه فيه:

«أَلَا إِنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَحَدُ الْعُلَمَاءْ، إِنْ كَانَ عِنْدَهُ لَعِلْمٌ كَالْبِحَارِ، وَإِنْ كُنَّا فِيهِ لَمُفَرِّطِينَ»

رواه ابنُ سعدٍ؛ كما في «فتحِ الباري» لابن حجر (13/ 335).

وقد كان صادِقَ الإسلام، والطعنُ فيه مَكِيدةٌ مَهُولةٌ يُكادُ بها الإسلامُ والسنَّة، اخترَعَها بعضُ المستشرِقين، وتبنَّاها الطاعِنون في السنَّةِ النبويَّة، وارتكَبوا لترويجِها ما ارتكَبوا، والواقعُ: أن تعامُلَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم مع كعبٍ وغيرِهِ، يدُلُّ على الإنصافِ، وإنزالِ أهلِ العِلمِ مَنازِلَهم؛ وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن أن يكونَ مدخلًا للطعنِ في حِفظِهم للسُّنَّة. وراجِعْ: جوابَ السؤال رقم: (112).

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال:
يرى صاحبُ السؤالِ: أن الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم تلَقَّوْا كلَّ ما يُلْقيهِ كعبُ الأحبارِ - الذي كان يهوديًّا - بغيرِ نقدٍ، أو تمحيصٍ، معتبِرينَ أنه صحيحٌ لا ريبَ فيه؛ مما يَعْني - مِن وجهةِ نظرِ صاحبِ السؤال - تسرُّبَ كثيرٍ مِن الأفكارِ اليهوديَّةِ غيرِ الصحيحةِ إلى كُتُبِ السنَّة.
مختصَرُ الإجابة:
لم يتسرَّبْ شيءٌ مِن الأفكارِ اليهوديَّةِ غيرِ الصحيحةِ إلى مدوَّناتِ السنَّةِ النبويَّةِ الصحيحةِ، عن طريقِ كعبِ الأحبارِ رحمه الله، ولا غيرِهِ ممن أسلَمَ مِن أهلِ الكتاب؛ فهو إنما كان يَعرِفُ الكُتُبَ القديمةَ، فكان يحدِّثُ عنها بآدابٍ وأشياءَ في الزهدِ والورَعِ، أو بقِصَصٍ وحكاياتٍ تناسِبُ أشياءَ في القرآنِ أو السنَّة، وإن لم تكن تقومُ بها حجَّةٌ استقلالًا، ويستشهِدُ بها على موافَقةِ ما جاء به الرسولُ ﷺ للرسالاتِ السابقة؛ فتكونُ حجَّةً على أهلِ الكتاب، وما لم يكن كذلك، فإن الصحابةَ كانوا ينبِّهونه على خطَئِهِ فيه، ولم يكن يَرُوجُ عليهم الكذبُ؛ فإن الصحابةَ رضي الله عنهم كانوا يعتقِدون أن أهلَ الكتابِ قد بدَّلوا وحرَّفوا، وكانوا ينتقِدون ما يأتي عنهم ويمحِّصونه، وهم أسمى عقلًا، وأعلى فِطْنةً، وأعلمُ مِن أن يُدخِلَ عليهم أحدٌ أشياءَ مغلوطةً.
على أنه ليس كلُّ ما نُسِبَ إلى كعبٍ في الكُتُبِ ثابتًا عنه؛ فإن الكذَّابين مِن بعدِهِ قد نسَبوا إليه أشياءَ كثيرةً لم يقُلْها، وما صَحَّ عنه مِن الأقوالِ، ولم يُوجَدْ في كُتُبِ أهلِ الكتابِ الآنَ، فليس بحجَّةٍ واضحةٍ على كذبِه؛ فإن كثيرًا مِن كُتُبِهم قد انقرَضَتْ نُسَخُها، ثم هم لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون.
كما أن النُّقَّادَ والأئمَّةَ بيَّنوا ما قد وقَعَ مِن غلَطٍ مِن بعضِ الرواةِ فيما يروُونَهُ عن كعبٍ رحمه الله. 

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:
حقيقةُ هذه الشبهةِ: الطعنُ في السنَّةِ النبويَّةِ بالطعنِ في أجلِّ طبَقاتِ رُواتِها؛ وهم الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم؛ وذلك بسببِ روايتِهم عن كعبِ الأحبار، والاستشكالُ الواردُ في السؤالِ يتضمَّنُ الحاجةَ إلى بيانِ حقيقةِ كعبٍ رحمه الله، وما كان يَرْويه، وتعامُلِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم معه.
ويتبيَّنُ ذلك مِن وجوه:
1- الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم لا يَرُوجُ عليهم الكذبُ:
فإن القولَ بأن كعبَ الأحبارِ وغيرَهُ مِن مُسلِمةِ أهلِ الكتابِ كانوا يَكذِبون، ويَرُوجُ كذبُهم على الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم في دِينِهم -: هذا القولُ فيه حَطٌّ على قومٍ فتَحوا العالَمَ، ودبَّروا الدنيا أحكَمَ تدبيرٍ إلى أسفلِ درَجاتِ التغفيلِ؛ كأنهم رضيَ اللهُ عنهم لم يَعرِفوا النبيَّ ﷺ ودِينَهُ وسنَّتَهُ وهَدْيَهُ، فقَبِلوا ما يَفْتريه عليه وعلى دِينِهِ إنسانٌ لم يَعرِفْه.
بل إن الصحابةَ رضيَ اللهُ عنهم كان يتوقَّفُ بعضُهم عما يُخبِرُهُ أخوهُ الذي يتيقَّنُ صدقَهُ وإيمانَهُ وطُولَ صحبتِهِ للنبيِّ ﷺ؛ فهل تَرَاهم مع هذا يتهالَكون على رجلٍ كان يهوديًّا، فأسلَمَ بعد النبيِّ ﷺ بسِنِين، فيَقبَلون منه ما يُخبِرُهم عن النبيِّ ﷺ مما يُفسِدُ دِينَه؟! لقد كان الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم في غِنًى تامٍّ بالنسبةِ إلى سُنَّةِ نبيِّهم ﷺ، إن احتاج أحدٌ منهم إلى شيءٍ، رجَعَ إلى إخوانِهِ الذين صَحِبوا النبيَّ ﷺ، وجالَسوه.
وكان كعبٌ أعقَلَ مِن أن يأتِيَهم فيحدِّثَهم عن نبيِّهم، وهو يَعلَمُ أنهم سيَسْألونَهُ: مَن أخبَرَك؟ فإن ذكَرَ صحابيًّا، سأَلوه، فيَبِينُ الواقعُ، وإن لم يذكُرْ أحدًا، كذَّبوهُ ورفَضوه.
2- الصحابةُ رضيَ اللهُ عنهم يَعلَمون أن أهلَ الكتابِ قد بدَّلوا وحرَّفوا، وكانوا ينتقِدون ما يأتي عنهم ويمحِّصونه:
فقد روَوْا عن النبيِّ ﷺ قولَهُ:

عن أبي هُرَيرةَ

«لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ»؛

رواه البخاري (4485)


وفي «صحيحِ البخاريِّ» أيضًا (7363)،

عن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما؛ أنه قال

«كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْدَثُ، تَقْرَؤُونَهُ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ؟!».


وفيه أيضًا (7361): أن مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه ذكَرَ كعبَ الأحبارِ، فقال:

«إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ المُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا مَعَ ذَلِكَ لَنَبْلُو عَلَيْهِ الكَذِبَ»

 أي: نَجِدُ بعضَ ما يُخبِرُنا عنه يقَعُ بخلافِ ما يُخبِرُنا به، ويقَعُ ذلك خطأً منه، أو لأن بعضَ ما يُخبِرُ به محرَّفٌ في الأصل، وليس المرادُ أنه يتعمَّدُ الكذبَ.
وكان عند عبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضيَ اللهُ عنهما صحيفةٌ عن النبيِّ ﷺ، كان يسمِّيها «الصادقةَ»؛ تمييزًا لها عن صُحُفٍ كانت عنده مِن كُتُبِ أهلِ الكتاب. 
وقد زعَمَ كعبٌ أن ساعةَ الإجابةِ في يومِ الجمعةِ إنما تكونُ في جمعةٍ واحدةٍ مِن السَّنَةِ، أو في جمعةٍ واحدةٍ مِن الشهر، فرَدَّ عليه أبو هُرَيرةَ وعبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ بخبَرِ النبيِّ ﷺ: أنها في كلِّ يومِ جُمُعةٍ؛ فقد أخرَجَ أبو داودَ (1046)، والنَّسائيُّ (1430)، والتِّرمِذيُّ (491)، وأحمدُ (10303)، وغيرُهم، وصحَّحه التِّرمِذيُّ، وابنُ حِبَّانَ (2772)،

عن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ ﷺ

«وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»، قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّة، فَقُلْتُ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ، فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ، وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ».


وهم - وإن كان بعضُهم يَرْوي وينقُلُ عن كعبِ الأحبارِ رحمه الله - ولكنْ غايةُ ما في ذلك: تصديقُهُ في أن هذا الخبرَ موجودٌ في صُحُفِ أهلِ الكتاب، وهذا لا شيءَ فيه، ولا يدُلُّ على اعتقادِ عدمِ تحريفِ تلك الكُتُبِ، ولا على عدمِ نقدِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم وتمحيصِهم. 
3- المادَّةُ التي كانت عند كعبِ الأحبارِ، هي الحكاياتُ عن صُحُفِ أهلِ الكتابِ، وأشياءُ مِن قولِهِ في الحكمةِ والموعظةِ، ولم تكن مادَّةً كيديَّةً لأهلِ الإسلام:
فهو إنما كان يَعرِفُ الكُتُبَ القديمةَ، فكان يحدِّثُ عنها بآدابٍ وأشياءَ في الزهدِ والورَعِ، أو بقِصَصٍ وحكاياتٍ تناسِبُ أشياءَ مِن القرآنِ أو السنَّة، وإن لم تكن تقومُ بها حجَّةٌ استقلالًا.
ولو كان - كما زعَمهُ بعضُهم - منافِقًا مُصِرًّا في الباطنِ على اليهوديَّةِ متعصِّبًا لها - فليس مِن المعقولِ أن يَكذِبَ للمسلِمينَ بما يَزيدُهم ثباتًا على الإسلامِ، وحَنَقًا على اليهود.
ولو فرَضْنا أيضًا: أنه كان يَكيدُ للإسلام، فماذا كان عاقبةُ وثوقِ المسلِمينَ به؟! إن غايةَ ما يُفيدُهُ وثوقُهم هو تصديقُهم له في أن ما يَحْكيهِ عن كُتُبِ أهلِ الكتابِ موجودٌ فيها، ولم يكن هذا لِيُفيدَهُ شيئًا لو كان منافِقًا؛ لأنه يَعرِفُ أن المسلِمين يعتقِدون أن كتُبَ أهلِ الكتابِ محرَّفةٌ مبدَّلةٌ.
بل إن ما كان يحصُلُ مِن مُسلِمةِ أهلِ الكتابِ - الذين عَلِموا ما عند أهلِ الكتابِ بلُغَتِهم، وترجَموهُ إلى العربيَّة - يُنتفَعُ به في مناظَرتِهم ومخاطَبتِهم؛ وحينئذٍ: يُستشهَدُ بما عندهم على موافَقةِ ما جاء به الرسولُ ﷺ، ويكونُ حجَّةً عليهم؛ كما يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّة. 
على أنه ليس كلُّ ما نُسِبَ إلى كعبٍ في الكُتُبِ ثابتًا عنه؛ فإن الكذَّابين مِن بعدِهِ قد نسَبوا إليه أشياءَ كثيرةً لم يقُلْها، وما صَحَّ عنه مِن الأقوالِ، ولم يُوجَدْ في كُتُبِ أهلِ الكتابِ الآنَ، فليس بحجَّةٍ واضحةٍ على كذبِه؛ فإن كثيرًا مِن كُتُبِهم قد انقرَضَتْ نُسَخُها، ثم هم لم يزالوا يحرِّفون ويبدِّلون.
كما أن النُّقَّادَ والأئمَّةَ بيَّنوا ما قد وقَعَ مِن غلَطٍ مِن بعضِ الرواةِ فيما يروُونَهُ عن كعبٍ رحمه الله.

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

إن كعبَ الأحبارِ رحمه الله ممَّن زكَّاه الصحابةُ ومدَحوه:

فمِن ذلك: قولُ مُعاوِيةَ رضيَ اللهُ عنه فيه:

«أَلَا إِنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَحَدُ الْعُلَمَاءْ، إِنْ كَانَ عِنْدَهُ لَعِلْمٌ كَالْبِحَارِ، وَإِنْ كُنَّا فِيهِ لَمُفَرِّطِينَ»

رواه ابنُ سعدٍ؛ كما في «فتحِ الباري» لابن حجر (13/ 335).

وقد كان صادِقَ الإسلام، والطعنُ فيه مَكِيدةٌ مَهُولةٌ يُكادُ بها الإسلامُ والسنَّة، اخترَعَها بعضُ المستشرِقين، وتبنَّاها الطاعِنون في السنَّةِ النبويَّة، وارتكَبوا لترويجِها ما ارتكَبوا، والواقعُ: أن تعامُلَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم مع كعبٍ وغيرِهِ، يدُلُّ على الإنصافِ، وإنزالِ أهلِ العِلمِ مَنازِلَهم؛ وهو بعيدٌ كلَّ البعدِ عن أن يكونَ مدخلًا للطعنِ في حِفظِهم للسُّنَّة. وراجِعْ: جوابَ السؤال رقم: (112).