نص السؤال

ما الحكمةُ مِن وقوعِ المعصية؟

المؤلف: باحثو مركز أصول

المصدر: مركز أصول

عبارات مشابهة للسؤال

أليس مِن الأفضلِ أن يكونَ الناسُ كلُّهم مؤمِنين باللهِ تعالى؟

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:

يُمكِنُ إزالةُ الإشكالِ الواردِ في السؤالِ مِن خلالِ النِّقاطِ التالية:

أوَّلًا: الإنسانُ ليس مجبورًا مطلَقًا على فعلِ الكفر، بل له قدرةٌ على تركِ ذلك؛ فهو كفَرَ بإرادتِهِ وقدرتِهِ واختيارِه:

الإنسانُ مخلوقٌ بقدرةٍ وإرادةٍ على اختيارِ أفعالِه، والإيمانُ له أسبابُهُ التي يتحصَّلُ بها، وكذا الكفرُ؛ فمتى ما اختار الشخصُ أسبابَ الإيمانِ، فهو مؤمِنٌ بإرادةٍ كاملةٍ منه، ومتى ما اختار الكفرَ، فهو كافرٌ بإرادةٍ كاملةٍ منه؛ فاللهُ تعالى يسَّر كلًّا مِن المؤمنِ والكافرِ لما خُلِقَ له، وأخفى عِلْمَهُ عن كلٍّ منهما، وأمَرَ كلًّا منهما بالطاعة، ونهاه عن المعصية، وساوى بينهما في البيانِ والإرشاد، وخلَقَهما على فطرةٍ واحدة؛ فاختار الكافرُ بما يَجِدُهُ في نفسِهِ مِن الإرادةِ: الكفرَ باللهِ تعالى، واختار المؤمِنُ بما يَجِدُهُ في نفسِهِ مِن الإرادةِ: الإيمانَ باللهِ تعالى.

وهذا بالطبعِ لا يَمنَعُ أن اللهَ عَلِمَ ذلك وكتَبهُ قبل أن يخلُقَ الناسَ؛ بمقتضى كمالِ عِلمِهِ وقدرتِهِ وحكمتِه.

وعليه: فاللهُ تبارَكَ وتعالى لم يَقسِمِ الناسَ إلى مؤمِنين وكفَّارٍ مِن أوَّلِ خِلقتِهم وهم على ذلك، وإنما طبيعةُ الخِلْقةِ التي خلَقَها اللهُ وقدَرُهُ وقُدْرتُهُ تقتضي أن يختارَ فريقٌ الإيمانَ، ويختارَ الآخَرُ الكفرَ.

إذنْ: فانقسامُ الناسِ إلى صالِحينَ ومنحرِفينَ، وترتُّبُ الثوابِ والعقابِ على أفعالِهم -: أمرٌ طبَعيٌّ، ومُتَّسِقٌ مع كمالِ العدلِ الإلهيِّ، والحكمةِ الإلهيَّة، ومع طبيعةِ النفسِ البشَريَّةِ وخصائصِها التي تميِّزُها عن الحيَوانات.

ثانيًا: تنوُّعُ الخَلْقِ بين مؤمِنٍ به وكافِرٍ، هو دليلٌ على كمالِ اللهِ تعالى:

كمالُ اللهِ في صفاتِهِ وأفعالِهِ يقتضي أن يكونَ لجميعِ صفاتِهِ أثرٌ مشاهَدٌ في الكون؛ إذ المعلومُ المستقِرُّ أن ظهورَ الأثرِ أكملُ مِن انتفائِه، واللهُ أَوْلى بكلِّ كمالٍ؛ فهو سبحانه له الكمالُ المُطلَقُ.

وعليه: فالناظِرُ إلى صفاتِهِ؛ كالقُوَّةِ، والغضَبِ، والجَبَروتِ، والشديدِ العقابِ، وذي البطشِ الشديدِ، وغيرِها مِن صفاتِ الجَلَالِ، لا بدَّ وأن يجدَ أثرَها في الكون.

أما أن يقتصِرَ نظَرُهُ على صفاتِ الرحمةِ والوُدِّ، وعلى نوعٍ واحدٍ مِن الصفات، وإذا ظهَرَتْ آثارُ الصِّنْفِ الآخَرِ، أخَذَ يتذمَّرُ ويتأفَّفُ ويتساءَلُ -: فهذا خلَلٌ في التفكير، واضطِرابٌ في الرؤية.

فلا بُدَّ أن نُقِرَّ بكلِّ كمالاتِ اللهِ وصفاتِهِ التي أخبَرَ بها عن نفسِه، أو جاءت في سنَّةِ نبيِّه، أو اقتضاها العقلُ الصحيحُ لهذا الخالقِ العظيم.

وعليه: فظهورُ الكافِرينَ والمفسِدينَ والطغاةِ في الدنيا، أمرٌ تقتضيهِ طبيعةُ الحياةِ الدنيا؛ وهو مِن مقتضى كمالِ اللهِ سبحانه.

ثالثًا: أن قدرةَ اللهِ تعالى وحكمتَهُ ثبَتتْ بأدلَّةٍ كثيرةٍ؛ فلا يُسأَلُ عن حكمتِهِ على وجهِ الاعتراض:

قال تعالى:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال تعالى:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23]

وقال تعالى:

{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

[الأعراف: 54].

رابعًا: أنه بوجودِ الطاعةِ والمعصيةِ، والإيمانِ والكفرِ، تَظهَرُ حِكَمٌ جزئيَّةٌ كثيرة:

فبوجودِهما يحدُثُ التدافُعُ بين الخيرِ والشرّ، ويحدُثُ التدافُعُ بين الحقِّ والباطل، ويحدُثُ التدافُعُ بين الكفرِ والإيمان، وتَظهَرُ حَلاوةُ الطاعةِ ومَرارةُ المعصية، وتَظهَرُ حَلاوةُ التوبةِ ومَرارةُ التمرُّدِ والعصيان، ولولا قُبْحُ المعصيةِ ما عُرِفَ حُسْنُ الطاعة، ولولا وجودُ العصاةِ ما عُرِفَتْ نعمةُ الهداية، ولولا اقترافُ المعاصي ما عُرِفَتْ نعمةُ التوبة، والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ، وبضِدِّها تتميَّزُ الأشياءُ.

خامسًا: أن اللهَ تعالى وهَبَ العبدَ الاستطاعةَ على النجاةِ بأمرٍ يسيرٍ:

فاللهُ تعالى إنما طلَبَ مِن هؤلاءِ العبادِ شيئًا يسيرًا في عُمْرٍ محدودٍ، مقابِلَ الثوابِ الجزيلِ في أمَدٍ لا ينتهي؛ فالعاصي آثَرَ الخسارةَ على الرِّبْح؛ قال ^:

«إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَلَّا تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ»

رواه البخاري (3334)

والإنسانُ حُرٌّ في اختيارِ طريقِ الخيرِ وطريقِ الشرِّ، وحُرٌّ في اختيارِ طريقِ النورِ وطريقِ الظلام، وحُرٌّ في اختيارِ طريقِ الإيمانِ وطريقِ الكفر؛ قال تعالى:

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}

[الإنسان: 3]

وقال تعالى:

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}

[الكهف: 29]

وقال تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}

[يونس: 99].

وما دام الإنسانُ حُرًّا، فاختيارُهُ قد يكونُ حجَّةً له، أو حجَّةً عليه؛ قال ^:

«كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ أَبَى»

رواه البخاري (7280).

وحرِّيَّةُ اختيارِ الإنسانِ مِيزةٌ قد ميَّزه اللهُ بها عن كثيرٍ مِن المخلوقات؛ فليس الإنسانُ كالحيوانِ أو الجمادِ، بل الإنسانُ يُطيعُ اللهَ باختيارِه، والعجيبُ أن مَن يعترِضْ على عدمِ جعلِ الناسِ جميعًا طائِعين مؤمِنين، هو في الحقيقةِ يعترِضُ على جعلِ الإنسانِ مخيَّرًا لا مسيَّرًا، وهو في الحقيقةِ يعترِضُ على المِيزةِ التي تميَّز بها الإنسانُ عن الحيوانِ وعن الجماد.

سادسًا: أننا وإن كنَّا نناقِشُ مثلَ هذه المسائلِ بغرَضِ إجلاءِ الغموضِ، وترسيخِ مواطنِ الخلَلِ فيها، إلا أنه يجبُ التنبيهُ على أنه ليس لأحدٍ مِن خلقِ اللهِ أن يَسألَهُ سبحانه لماذا شاء هذا كلَّه على هذا النحوِ الذي أراده، فكان.

وليس لأحدٍ مِن خلقِهِ سبحانه أن يَسألَهُ عما يَفعَلَ؛ ما دام أن أحدًا مِن خلقِهِ ليس إلهًا، وليس لدَيْهِ العِلمُ - ولا إمكانُ العِلمِ - بالنظامِ الكُلِّيِّ لهذا الكون، ومقتضَياتِ هذا النظامِ في طبيعةِ كلِّ كائنٍ في هذا الوجودِ؛ قال سبحانه:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال:

صاحبُ هذا السؤالِ يريدُ أن يَعرِفَ الحكمةَ مِن تقديرِ اللهِ تعالى لوجودِ الطائِعين والعاصِين، وفيه استشكالٌ للقدَر، والاعتراضُ أو التمنِّي أن يكونَ الناسُ كلُّهم مؤمِنين، فاعِلين للخير، ويدخُلوا الجنَّةَ بغيرِ ابتلاء.

مختصَرُ الإجابة:

أوَّلًا: أن كلَّ فعلٍ يَفعَلُهُ اللهُ تعالى له فيه حكمةٌ، عرَفْناها أو لم نَعرِفْها؛ فلا يُسأَلُ عن حكمتِهِ على وجهِ الاعتراض:

قال تعالى:

{وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

[النساء: 26]

 وقال تعالى:

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

[الأنعام: 18]

وقال تعالى:

{وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

[آل عمران: 62].

وقد عَلِمْنا مِن شواهدِ الأدلَّةِ: أن اللهَ تعالى عليمٌ قديرٌ، وعزيزٌ حكيمٌ، ورؤوفٌ رحيمٌ أيضًا؛ فلا بدَّ مِن حكمةٍ عظيمةٍ تشتمِلُ على آثارِ هذه الأسماء.

فإذا عَلِمْنا أن اللهَ تعالى له الحكمةُ البالغةُ التي عرَفْنا منها القليلَ الذي أدهَشَنا بكمالِهِ، فلا يضُرُّنا إذا لم نَعلَمِ الباقيَ.

كما أنه ليس لأحدٍ مِن خلقِهِ سبحانه أن يَسألَهُ عما يَفعَلَ؛ ما دام أن أحدًا مِن خلقِهِ ليس إلهًا، وليس لدَيْهِ العِلمُ - ولا إمكانُ العِلمِ - بالنظامِ الكُلِّيِّ لهذا الكون، ومقتضَياتِ هذا النظامِ في طبيعةِ كلِّ كائنٍ في هذا الوجودِ؛ قال سبحانه:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

ثانيًا: أنه بوجودِ الطاعةِ والمعصية، والإيمانِ والكفرِ، تَظهَرُ حِكَمٌ كثيرةٌ؛ فبوجودِهما يحدُثُ التدافُعُ بين الخيرِ والشرّ، ويحدُثُ التدافُعُ بين الحقِّ والباطل، ويحدُثُ التدافُعُ بين الكفرِ والإيمان، وتَظهَرُ حَلاوةُ الطاعةِ ومَرارةُ المعصية، وتَظهَرُ حَلاوةُ التوبةِ ومَرارةُ التمرُّدِ والعصيان، ولولا قُبْحُ المعصيةِ ما عُرِفَ حُسْنُ الطاعة، ولولا وجودُ العصاةِ ما عُرِفَتْ نعمةُ الهداية، ولولا اقترافُ المعاصي ما عُرِفَتْ نعمةُ التوبة، والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ، وبضِدِّها تتميَّزُ الأشياءُ.

ثالثًا: الإنسانُ ليس مجبورًا مطلَقًا على فعلِ الكفر، بل له قدرةٌ على تركِ ذلك؛ فهو كفَرَ بإرادتِهِ وقدرتِهِ واختيارِه:

فانقسامُ الناسِ إلى صالِحينَ ومنحرِفينَ، وترتُّبُ الثوابِ والعقابِ على أفعالِهم -: أمرٌ طبَعيٌّ، ومُتَّسِقٌ مع كمالِ العدلِ الإلهيِّ، والحكمةِ الإلهيَّة، ومع طبيعةِ النفسِ البشَريَّةِ وخصائصِها التي تميِّزُها عن الحيَوانات.

وبالتالي: فالاعتراضُ أو تمنِّي غيرِ ما وقَعَ، لا معنَى له.

رابعًا: حرِّيَّةُ اختيارِ الإنسانِ مِيزةٌ قد ميَّزه اللهُ بها عن كثيرٍ مِن المخلوقات؛ فليس الإنسانُ كالحيوانِ أو الجمادِ، بل الإنسانُ يُطيعُ اللهَ باختيارِه، والعجيبُ أن مَن يعترِضْ على عدمِ جعلِ الناسِ جميعًا طائِعين مؤمِنين، هو في الحقيقةِ يعترِضُ على جعلِ الإنسانِ مخيَّرًا لا مسيَّرًا، وهو في الحقيقةِ يعترِضُ على المِيزةِ التي تميَّز بها الإنسانُ عن الحيوانِ وعن الجماد.

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

يقالُ لمَن لم يطمئِنَّ قلبُهُ: إذا كنتَ آمَنتَ بأن اللهَ تعالى حقٌّ، وكلامَهُ حقٌّ - كما دلَّت عليه الأدلَّةُ النقليَّةُ والعقليَّةُ الكثيرةُ جِدًّا، وهي مفصَّلةٌ في أماكنَ أخرى - وإذا كنتَ آمَنتَ بأنه العليمُ الحكيمُ الرحيم - كما دلَّت عليه الأدلَّةُ النقليَّةُ والعقليَّةُ الكثيرةُ جِدًّا، وهي مفصَّلةٌ في أماكنَ أخرى أيضًا -:

فكونُ الإنسانِ لم يتبيَّنْ له وجهُ الحكمةِ في بعضِ المسائلِ، لم يضُرَّهُ ذلك؛ كما أن المريضَ إذا وَثِقَ بالطبيبِ، لم يضُرَّهُ ألا يَعرِفَ وجهَ الحكمةِ مِن علاجِه، وللهِ المثَلُ الأعلى؛ فكيف يُمكِنُ للمخلوقِ الضعيفِ أن يُحِيطَ بحكمةِ الله تعالى؟!

فإذا أشكَلَتْ عليك مسألةٌ جزئيَّةٌ، فلا تَشغَلُ وقتَكَ وقلبَكَ، وتَمَسَّكْ بالأصلِ، وهو إيمانُكَ باللهِ تعالى وحكمتِهِ ورحمتِه، وتسليمُكَ له بأنه مالكُ المُلْكِ الذي

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

وأَقبِلْ على قراءةِ القرآنِ والصلاةِ والعمَلِ الصالح، وتجنَّبِ الاشتغالَ باللهوِ الفكريِّ، والتنقُّلِ بين المسائلِ، دون بحثٍ عن الحقيقة، وأكثِرِ الدعاءَ أن يَهْدِيَ اللهُ قلبَك.

مختصر الجواب

مضمونُ السؤال:

صاحبُ هذا السؤالِ يريدُ أن يَعرِفَ الحكمةَ مِن تقديرِ اللهِ تعالى لوجودِ الطائِعين والعاصِين، وفيه استشكالٌ للقدَر، والاعتراضُ أو التمنِّي أن يكونَ الناسُ كلُّهم مؤمِنين، فاعِلين للخير، ويدخُلوا الجنَّةَ بغيرِ ابتلاء.

مختصَرُ الإجابة:

أوَّلًا: أن كلَّ فعلٍ يَفعَلُهُ اللهُ تعالى له فيه حكمةٌ، عرَفْناها أو لم نَعرِفْها؛ فلا يُسأَلُ عن حكمتِهِ على وجهِ الاعتراض:

قال تعالى:

{وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}

[النساء: 26]

 وقال تعالى:

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}

[الأنعام: 18]

وقال تعالى:

{وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}

[آل عمران: 62].

وقد عَلِمْنا مِن شواهدِ الأدلَّةِ: أن اللهَ تعالى عليمٌ قديرٌ، وعزيزٌ حكيمٌ، ورؤوفٌ رحيمٌ أيضًا؛ فلا بدَّ مِن حكمةٍ عظيمةٍ تشتمِلُ على آثارِ هذه الأسماء.

فإذا عَلِمْنا أن اللهَ تعالى له الحكمةُ البالغةُ التي عرَفْنا منها القليلَ الذي أدهَشَنا بكمالِهِ، فلا يضُرُّنا إذا لم نَعلَمِ الباقيَ.

كما أنه ليس لأحدٍ مِن خلقِهِ سبحانه أن يَسألَهُ عما يَفعَلَ؛ ما دام أن أحدًا مِن خلقِهِ ليس إلهًا، وليس لدَيْهِ العِلمُ - ولا إمكانُ العِلمِ - بالنظامِ الكُلِّيِّ لهذا الكون، ومقتضَياتِ هذا النظامِ في طبيعةِ كلِّ كائنٍ في هذا الوجودِ؛ قال سبحانه:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

ثانيًا: أنه بوجودِ الطاعةِ والمعصية، والإيمانِ والكفرِ، تَظهَرُ حِكَمٌ كثيرةٌ؛ فبوجودِهما يحدُثُ التدافُعُ بين الخيرِ والشرّ، ويحدُثُ التدافُعُ بين الحقِّ والباطل، ويحدُثُ التدافُعُ بين الكفرِ والإيمان، وتَظهَرُ حَلاوةُ الطاعةِ ومَرارةُ المعصية، وتَظهَرُ حَلاوةُ التوبةِ ومَرارةُ التمرُّدِ والعصيان، ولولا قُبْحُ المعصيةِ ما عُرِفَ حُسْنُ الطاعة، ولولا وجودُ العصاةِ ما عُرِفَتْ نعمةُ الهداية، ولولا اقترافُ المعاصي ما عُرِفَتْ نعمةُ التوبة، والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ، وبضِدِّها تتميَّزُ الأشياءُ.

ثالثًا: الإنسانُ ليس مجبورًا مطلَقًا على فعلِ الكفر، بل له قدرةٌ على تركِ ذلك؛ فهو كفَرَ بإرادتِهِ وقدرتِهِ واختيارِه:

فانقسامُ الناسِ إلى صالِحينَ ومنحرِفينَ، وترتُّبُ الثوابِ والعقابِ على أفعالِهم -: أمرٌ طبَعيٌّ، ومُتَّسِقٌ مع كمالِ العدلِ الإلهيِّ، والحكمةِ الإلهيَّة، ومع طبيعةِ النفسِ البشَريَّةِ وخصائصِها التي تميِّزُها عن الحيَوانات.

وبالتالي: فالاعتراضُ أو تمنِّي غيرِ ما وقَعَ، لا معنَى له.

رابعًا: حرِّيَّةُ اختيارِ الإنسانِ مِيزةٌ قد ميَّزه اللهُ بها عن كثيرٍ مِن المخلوقات؛ فليس الإنسانُ كالحيوانِ أو الجمادِ، بل الإنسانُ يُطيعُ اللهَ باختيارِه، والعجيبُ أن مَن يعترِضْ على عدمِ جعلِ الناسِ جميعًا طائِعين مؤمِنين، هو في الحقيقةِ يعترِضُ على جعلِ الإنسانِ مخيَّرًا لا مسيَّرًا، وهو في الحقيقةِ يعترِضُ على المِيزةِ التي تميَّز بها الإنسانُ عن الحيوانِ وعن الجماد.

الجواب التفصيلي

الجوابُ التفصيليّ:

يُمكِنُ إزالةُ الإشكالِ الواردِ في السؤالِ مِن خلالِ النِّقاطِ التالية:

أوَّلًا: الإنسانُ ليس مجبورًا مطلَقًا على فعلِ الكفر، بل له قدرةٌ على تركِ ذلك؛ فهو كفَرَ بإرادتِهِ وقدرتِهِ واختيارِه:

الإنسانُ مخلوقٌ بقدرةٍ وإرادةٍ على اختيارِ أفعالِه، والإيمانُ له أسبابُهُ التي يتحصَّلُ بها، وكذا الكفرُ؛ فمتى ما اختار الشخصُ أسبابَ الإيمانِ، فهو مؤمِنٌ بإرادةٍ كاملةٍ منه، ومتى ما اختار الكفرَ، فهو كافرٌ بإرادةٍ كاملةٍ منه؛ فاللهُ تعالى يسَّر كلًّا مِن المؤمنِ والكافرِ لما خُلِقَ له، وأخفى عِلْمَهُ عن كلٍّ منهما، وأمَرَ كلًّا منهما بالطاعة، ونهاه عن المعصية، وساوى بينهما في البيانِ والإرشاد، وخلَقَهما على فطرةٍ واحدة؛ فاختار الكافرُ بما يَجِدُهُ في نفسِهِ مِن الإرادةِ: الكفرَ باللهِ تعالى، واختار المؤمِنُ بما يَجِدُهُ في نفسِهِ مِن الإرادةِ: الإيمانَ باللهِ تعالى.

وهذا بالطبعِ لا يَمنَعُ أن اللهَ عَلِمَ ذلك وكتَبهُ قبل أن يخلُقَ الناسَ؛ بمقتضى كمالِ عِلمِهِ وقدرتِهِ وحكمتِه.

وعليه: فاللهُ تبارَكَ وتعالى لم يَقسِمِ الناسَ إلى مؤمِنين وكفَّارٍ مِن أوَّلِ خِلقتِهم وهم على ذلك، وإنما طبيعةُ الخِلْقةِ التي خلَقَها اللهُ وقدَرُهُ وقُدْرتُهُ تقتضي أن يختارَ فريقٌ الإيمانَ، ويختارَ الآخَرُ الكفرَ.

إذنْ: فانقسامُ الناسِ إلى صالِحينَ ومنحرِفينَ، وترتُّبُ الثوابِ والعقابِ على أفعالِهم -: أمرٌ طبَعيٌّ، ومُتَّسِقٌ مع كمالِ العدلِ الإلهيِّ، والحكمةِ الإلهيَّة، ومع طبيعةِ النفسِ البشَريَّةِ وخصائصِها التي تميِّزُها عن الحيَوانات.

ثانيًا: تنوُّعُ الخَلْقِ بين مؤمِنٍ به وكافِرٍ، هو دليلٌ على كمالِ اللهِ تعالى:

كمالُ اللهِ في صفاتِهِ وأفعالِهِ يقتضي أن يكونَ لجميعِ صفاتِهِ أثرٌ مشاهَدٌ في الكون؛ إذ المعلومُ المستقِرُّ أن ظهورَ الأثرِ أكملُ مِن انتفائِه، واللهُ أَوْلى بكلِّ كمالٍ؛ فهو سبحانه له الكمالُ المُطلَقُ.

وعليه: فالناظِرُ إلى صفاتِهِ؛ كالقُوَّةِ، والغضَبِ، والجَبَروتِ، والشديدِ العقابِ، وذي البطشِ الشديدِ، وغيرِها مِن صفاتِ الجَلَالِ، لا بدَّ وأن يجدَ أثرَها في الكون.

أما أن يقتصِرَ نظَرُهُ على صفاتِ الرحمةِ والوُدِّ، وعلى نوعٍ واحدٍ مِن الصفات، وإذا ظهَرَتْ آثارُ الصِّنْفِ الآخَرِ، أخَذَ يتذمَّرُ ويتأفَّفُ ويتساءَلُ -: فهذا خلَلٌ في التفكير، واضطِرابٌ في الرؤية.

فلا بُدَّ أن نُقِرَّ بكلِّ كمالاتِ اللهِ وصفاتِهِ التي أخبَرَ بها عن نفسِه، أو جاءت في سنَّةِ نبيِّه، أو اقتضاها العقلُ الصحيحُ لهذا الخالقِ العظيم.

وعليه: فظهورُ الكافِرينَ والمفسِدينَ والطغاةِ في الدنيا، أمرٌ تقتضيهِ طبيعةُ الحياةِ الدنيا؛ وهو مِن مقتضى كمالِ اللهِ سبحانه.

ثالثًا: أن قدرةَ اللهِ تعالى وحكمتَهُ ثبَتتْ بأدلَّةٍ كثيرةٍ؛ فلا يُسأَلُ عن حكمتِهِ على وجهِ الاعتراض:

قال تعالى:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال تعالى:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23]

وقال تعالى:

{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}

[الأعراف: 54].

رابعًا: أنه بوجودِ الطاعةِ والمعصيةِ، والإيمانِ والكفرِ، تَظهَرُ حِكَمٌ جزئيَّةٌ كثيرة:

فبوجودِهما يحدُثُ التدافُعُ بين الخيرِ والشرّ، ويحدُثُ التدافُعُ بين الحقِّ والباطل، ويحدُثُ التدافُعُ بين الكفرِ والإيمان، وتَظهَرُ حَلاوةُ الطاعةِ ومَرارةُ المعصية، وتَظهَرُ حَلاوةُ التوبةِ ومَرارةُ التمرُّدِ والعصيان، ولولا قُبْحُ المعصيةِ ما عُرِفَ حُسْنُ الطاعة، ولولا وجودُ العصاةِ ما عُرِفَتْ نعمةُ الهداية، ولولا اقترافُ المعاصي ما عُرِفَتْ نعمةُ التوبة، والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ، وبضِدِّها تتميَّزُ الأشياءُ.

خامسًا: أن اللهَ تعالى وهَبَ العبدَ الاستطاعةَ على النجاةِ بأمرٍ يسيرٍ:

فاللهُ تعالى إنما طلَبَ مِن هؤلاءِ العبادِ شيئًا يسيرًا في عُمْرٍ محدودٍ، مقابِلَ الثوابِ الجزيلِ في أمَدٍ لا ينتهي؛ فالعاصي آثَرَ الخسارةَ على الرِّبْح؛ قال ^:

«إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقَدْ سَأَلْتُكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ هَذَا، وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ: أَلَّا تُشْرِكَ بِي، فَأَبَيْتَ إِلَّا الشِّرْكَ»

رواه البخاري (3334)

والإنسانُ حُرٌّ في اختيارِ طريقِ الخيرِ وطريقِ الشرِّ، وحُرٌّ في اختيارِ طريقِ النورِ وطريقِ الظلام، وحُرٌّ في اختيارِ طريقِ الإيمانِ وطريقِ الكفر؛ قال تعالى:

{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}

[الإنسان: 3]

وقال تعالى:

{وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}

[الكهف: 29]

وقال تعالى:

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}

[يونس: 99].

وما دام الإنسانُ حُرًّا، فاختيارُهُ قد يكونُ حجَّةً له، أو حجَّةً عليه؛ قال ^:

«كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي، دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي، فَقَدْ أَبَى»

رواه البخاري (7280).

وحرِّيَّةُ اختيارِ الإنسانِ مِيزةٌ قد ميَّزه اللهُ بها عن كثيرٍ مِن المخلوقات؛ فليس الإنسانُ كالحيوانِ أو الجمادِ، بل الإنسانُ يُطيعُ اللهَ باختيارِه، والعجيبُ أن مَن يعترِضْ على عدمِ جعلِ الناسِ جميعًا طائِعين مؤمِنين، هو في الحقيقةِ يعترِضُ على جعلِ الإنسانِ مخيَّرًا لا مسيَّرًا، وهو في الحقيقةِ يعترِضُ على المِيزةِ التي تميَّز بها الإنسانُ عن الحيوانِ وعن الجماد.

سادسًا: أننا وإن كنَّا نناقِشُ مثلَ هذه المسائلِ بغرَضِ إجلاءِ الغموضِ، وترسيخِ مواطنِ الخلَلِ فيها، إلا أنه يجبُ التنبيهُ على أنه ليس لأحدٍ مِن خلقِ اللهِ أن يَسألَهُ سبحانه لماذا شاء هذا كلَّه على هذا النحوِ الذي أراده، فكان.

وليس لأحدٍ مِن خلقِهِ سبحانه أن يَسألَهُ عما يَفعَلَ؛ ما دام أن أحدًا مِن خلقِهِ ليس إلهًا، وليس لدَيْهِ العِلمُ - ولا إمكانُ العِلمِ - بالنظامِ الكُلِّيِّ لهذا الكون، ومقتضَياتِ هذا النظامِ في طبيعةِ كلِّ كائنٍ في هذا الوجودِ؛ قال سبحانه:

{قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}

[الأنعام: 149]

وقال:

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

خاتمة الجواب

خاتِمةُ الجواب - توصية:

يقالُ لمَن لم يطمئِنَّ قلبُهُ: إذا كنتَ آمَنتَ بأن اللهَ تعالى حقٌّ، وكلامَهُ حقٌّ - كما دلَّت عليه الأدلَّةُ النقليَّةُ والعقليَّةُ الكثيرةُ جِدًّا، وهي مفصَّلةٌ في أماكنَ أخرى - وإذا كنتَ آمَنتَ بأنه العليمُ الحكيمُ الرحيم - كما دلَّت عليه الأدلَّةُ النقليَّةُ والعقليَّةُ الكثيرةُ جِدًّا، وهي مفصَّلةٌ في أماكنَ أخرى أيضًا -:

فكونُ الإنسانِ لم يتبيَّنْ له وجهُ الحكمةِ في بعضِ المسائلِ، لم يضُرَّهُ ذلك؛ كما أن المريضَ إذا وَثِقَ بالطبيبِ، لم يضُرَّهُ ألا يَعرِفَ وجهَ الحكمةِ مِن علاجِه، وللهِ المثَلُ الأعلى؛ فكيف يُمكِنُ للمخلوقِ الضعيفِ أن يُحِيطَ بحكمةِ الله تعالى؟!

فإذا أشكَلَتْ عليك مسألةٌ جزئيَّةٌ، فلا تَشغَلُ وقتَكَ وقلبَكَ، وتَمَسَّكْ بالأصلِ، وهو إيمانُكَ باللهِ تعالى وحكمتِهِ ورحمتِه، وتسليمُكَ له بأنه مالكُ المُلْكِ الذي

{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

[الأنبياء: 23].

وأَقبِلْ على قراءةِ القرآنِ والصلاةِ والعمَلِ الصالح، وتجنَّبِ الاشتغالَ باللهوِ الفكريِّ، والتنقُّلِ بين المسائلِ، دون بحثٍ عن الحقيقة، وأكثِرِ الدعاءَ أن يَهْدِيَ اللهُ قلبَك.